وكذلك قوله عليهالسلام في الصّحيح إذ رأى رجلا يقطعه الآل (١) ، فقال : «كن أبا خيثمة» فإذا هو أبو خيثمة. فهذا أمر على وجه الخبر ، كأنّه يقول : هذا أبو خيثمة ، إلى غير ذلك.
ويكفيك أنّ الآخرة ليست بدار تكليف وفيها أوامر ونواه مثل قوله تعالى للمؤمنين على جهة البشارة : (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ) [الزخرف : ٤٣ / ٧٠] ، وقوله تعالى : (ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ) [الحجر : ١٥ / ٤٦] ، وقوله تعالى للكافرين على جهة الإغلاظ والتّرويع : (فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) [النحل : ١٦ / ٢٩] ، وقوله تعالى : (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون : ٢٣ / ١٠٨] على جهة التّحقير والخزي والطّرد. وقوله تعالى على جهة التّصيّر لأصحاب السّبت (٢) : (كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) [البقرة : ٢ / ٦٥] ، وقوله تعالى على
__________________
(١) في السيرة النبوية (ابن هشام ١ / ٥٢٠) في خبر غزوة تبوك أن أبا خيثمة رضياللهعنه كان تخلّف عن اللحاق بالجيش الإسلامي ، ثم إنه عزم وعجل حتى أدرك الجماعة عند تبوك ، ولما ظهر من بعيد عليهم قال الناس : هذا راكب على الطريق مقبل ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «كن أبا خيثمة ، فقالوا :يا رسول الله هو ـ والله ـ أبو خيثمة ، فلما أناخ أقبل فسلّم على رسول الله صلىاللهعليهوسلم» .. الخبر.
ـ وقول المؤلّف ـ رحمهالله ـ (يقطعه الآل) المعروف يرفعه الآل أي السراب ، يقال : رفع السراب الشخص أي زهاه فأبصرته من بعد.
(٢) ـ وهم الذين اعتدوا في السّبت.
ـ وقول المؤلف رحمهالله : (على جهة التصيّر) يشير إلى مسخ المخالفين قردة خاسئين. وتمام الآية الكريمة (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) أي انتقلوا من حال البشرية الإنسانية إلى حال الحيوانية عقوبة ونكالا ، وفي سورة الأعراف (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [البقرة : ٢ / ١٦٣ ـ ١٦٤].
أي واسأل اليهود جيرانك عن أخبار أسلافهم ، وما مسخ الله منهم قردة وخنازير. وهذا سؤال تقرير وتوبيخ. وفيه دلالة على صدق النبي صلىاللهعليهوسلم ونبوّته. أي سلهم يا محمد عن القرية أما عذّبتهم بذنوبهم؟ وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة؟ وكان اليهود يكتمون هذه القصّة لما فيها من السبّة عليهم.
وكانت قرية إلى جانب البحر ، وقد خالف فريق من أهلها واعتدوا في السبت ، واصطادوا ـ وقد نهوا
