ولمّا خلقت هذه الشهوة للعارفين كان التذاذهم بالمعرفة بقدر شهوتهم ، ولا نسبة لتلك اللّذة إلى لذّة الشهوات الحسّيّة ، فإنّها لذّة لا يعتريها الزوال ، ولا يغيّرها الملال ، بل لا يزال يتضاعف ويترادف ويزداد بزيادة المعرفة والإعراق فيها بخلاف سائر الشهوات ، إلّا أنّ هذه الشهوة لا تخلق في الإنسان إلّا بعد البلوغ إلى حدّ الرجال ، ومن لا تخلق فيه فهو إمّا صبيّ بعد لم تكمل فطرته لقبول هذه الشهوات ، أو عنّين أفسد كدورة الدنيا وشهواتها فطرته الأصليّة.
فالعارفون لمّا رزقوا شهوة المعرفة ولذّة النظر إلى جلال الله فهم من مطالعتهم جمال الحضرة الربوبيّة في جنّة عرضها السماوات والأرض ، بل أكثر ، وهي جنّة عالية قطوفها دانية ، فإنّ فواكهها صفة ذاتهم وليست مقطوعة ولا ممنوعة ؛ إذ لا مضايقة في المعارف.
والعارفون ينظرون إلى العاكفين في حضيض الشهوات نظر العقلاء إلى الصبيان عند عكوفهم على لذّات اللعب ، ولذلك تراهم يستوحشون من أكثر الخلق ، ويؤثرون العزلة والخلوة ، فهي أحبّ الأشياء إليهم ، ويهربون من المال والجاه ، فإنّه يشغلهم عن لذّة المناجاة ، ويعرضون عن الأهل والولد ترفّعا عن الاشتغال بهم عن الله تعالى.
فترى الناس يضحكون منهم ، فيقولون موسوس ظهر عليه مبادئ الجنون ، وهم يضحكون على الناس لقناعتهم بمتاع الدنيا ، ويقولون إن تسخروا منّا فإنّا نسخر منكم كما تسخرون ... إلى آخره.
السابع : قال بعض العارفين : الكأس هاهنا هي الأولى بعينها ، وإنّما أورد
