المخلوقة قبل كلّ شيء.
فمن كان معتقده أنّ المشيّة غير مفتقرة إلى علّة الوجود ، بل خلقت نفسها نفسها من غير أن يكون لها خالق سوى نفسها ، فقد كفر وأشرك ، بل لا معنى للخلق مع ذلك ، لأنّه الإحداث بعد العدم ، والمستقلّ الكذائيّ لا بدّ من كونه أزليّا بحتا ؛ كما ثبت في محلّه.
ثمّ لا ينبغي أن يبقى الريب بعد ذلك التقرير من أنّ المشيّة هي أوّل كلّ شيء ، في أنّ المراد بالأوّليّة هي الأوّليّة الذاتيّة القائمة بنفسها ؛ كأوليّة الكاتب بالنسبة إلى الكتابة ، والأبيض بالنسبة إلى البياض ، فإنّ الكتابة قائمة بالكاتب ، ولا عكس ، والبياض بالأبيض كذلك ، لا الأوّليّة الزمانيّة بحيث لو لم يكن الزمان لم يكن أوليّة ، لأنّ الزمان أيضا من جملة الأشياء فيجب سبق المشيّة عليه كسبقها على غيره ، لما مرّ من أنّه لم يكن بين الهويّة المطلقة وبين المشيّة التي هي الملكوت النفسانيّة واسطة ، بل كانت هي الواسطة بين الحقّ وبين الحوادث التي منها الزمان ، فهو أيضا ممّا خلق بالمشيّة ، ويرادفه «الحين» وهو من أجزاء سلسلة الدهر الممتدّة المتّصلة.
فإنّ الدهر عبارة عن مدّة بقاء المشيّة بنفسها ، ويسمّى ابتداء تلك المدّة بـ «الأزل اللاحق» لتأخّره عن «أزل الحقّ» تعالى.
فمجموع عالم الإمكان مطلقا هو «الدهر» ومدّة التغيير لشيء في ذلك العالم هو «الزمان» و «الحين» وأوّل حدوث الدهر بحيث لا سابق عليه سوى عالم الحقّ هو عالم المشيّة ، والمراد به مبدأ الدهر واحد.
فمعنى الآية : إنّه ما أتى على المشيّة حين من أجزاء الدهر لم تكن
