كرسي الخلافة الإِسلامية لبضعة أيام ، ولغرض الوصول الى الامارة على الناس . . . فأخذ يلصق التهم الباطلة بالمثل الأعلى للإِيمان والإِنسانية علي بن أبي طالب عليه السلام .
لقد سحق معاوية الأصول الإِنسانية والإِسلامية ، واتهم علياً بترك الفرائض والانحراف عن الطريق المستقيم ، وصرف في سبيل ذلك قسطاً عظيماً من بيت مال المسلمين . أمر جميع الموظفين والعسكريين أن يشتموا علياً في خطبهم بعد حمد الله والثناء على نبيه . . . الخطباء على منابرهم ، والمعلمون في مدارسهم ، واكثر الناس في أنديتهم ومجالسهم أخذوا يعتبرون سب علي من واجباتهم اليومية ، وكانت هذه الخطة المشؤومة قدوة لجميع الرعية .
كان في أرجاء الدولة رجال شرفاء ومؤمنون يعرفون علياً حق المعرفة وكانوا على علم واسع بمكائد معاوية وأساليبه في الدعاية ، ولكنهم كانوا يفضلون السكوت خوفاً على أرواحهم من أن تزهق ، وعلى دماءهم من أن تراق . وإذا صادف أن صرح بعضهم بما يحمله من شعور تجاه ذلك الإِمام العظيم في بعض الظروف والمناسبات ، فقد كان يلاقي مصيره الأسود على يد معاوية أو جلاوزته (١) !
هذه البدعة الخائنة كانت قد بعثت بجذورها في قلوب مختلف الطبقات إلى درجة أنها ظلت عالقة بأذيال الناس حتى بعد موت معاوية بسنوات طوال ، فقد كان سبّ الإِمام أمير المؤمنين عليه السلام متمثلاً بصورة واجب ديني عندهم .
وعندما تولى عمر بن عبد العزيز زمام الأمر ، وجلس على كرسي الخلافة ، قام بكل عزم وقوة لاقتلاع جذور هذه الوصمة التاريخية الكبيرة فبدأ ـ بأسلوب حكيم ـ بجلب شعور وزراءه وقواده الكبار الى جانبه وتحمل في سبيل ذلك صعوبة بالغة ، ثم أمر جميع ولاته على الأمصار بأن يقاوموا كل حركة تحاول أن تذكر الإِمام
____________________
(١) في التاريخ شواهد ناصعة على الصراحة التي اتبعها ثلة من المؤمنين بحقيقة الإِسلام بالنسبة إلى تفنيد التهم الباطلة التي كان يلصقها أعداؤه إلى أعظم قائد من قادة المسلمين ، وأول إمام من أئمتهم . . . إن فات المؤرخين حصرها فلم يفتهم تدوين طرف من أخبار تلك الثلة الخيّرة أمثال : ميثم التمار ، وحجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، ورشيد الهجري وغيرهم .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ٢ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F134_child-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
