طريق التقدم :
يبذل الطفل نشاطاً بصورة طبيعية في طريق الوصول إلى الكمال المنشود ، يستغل طاقته الطفولية في هذا السبيل . إن تشجيع الوالدين والأصدقاء يفسح المجال أمامه للتقدم اكثر ، ويمد سراج الأمل والتطامن في نفسه بالوقود باستمرار . . . وفي النتيجة تتفتح مواهبه واحدة بعد الأخرى وعلى العكس من ذلك فإن إهمال الوالدين أو تزمتهما يضعف النشاط الفردي عند الطفل ويبعث فيه الفتور والملل في سلوك طريق الجد والعمل . إن تكرار هذا السلوك المذموم يهدم روح الطفل ويتضمن نتائج وخيمة . ولأجل أن يتضح الأمر بصورة أجلى للمستمعين الكرام نستشهد بالمثال التالي :
صبي صغير السن لم يمضي على دخوله المدرسة اكثر من عدة أشهر وقد تعلم بعض الدروس من كتاب الصف الأول . والآن قد كتب صفحة كاملة لأول مرة ، وأظهر نتائج جهوده على صفحة من القرطاس . إن هذه الكتابة تعتبر الإِنتصار العلمي العظيم لهذا الصبي . . . فهي خلاصة الأتعاب التي بذلت معه طيلة عدة أشهر ، وهي ـ بعدُ ـ مرآة تعكس شخصيته . يثبت عينيه نحو باب الدار ويعدّ الدقيقة بعد الأخرى لقدوم والده وإراءة هذا الأثر اللامع له . . . إنه يأمل في التشجيع والإِستحسان من أبيه ، وهذه الساعة هي أسعد ساعات حياته .
يدخل الأب الى البيت ، فيركض الصبي لكي يريه ما كتبه ثم يظل ينظر إلى أبيه بعينين نافذتين . إن الأب العاقل ، الأب الواعي . . . يقرأ كتابة الصبي بإمعان ، فيبتسم . . . ثم يحمله بين ذراعيه ، ويعامله باللطف والمحبة ويكرر الإِستحسان والثناء عليه . وبهذا يكافئه بأحسن صورة . إن سلوك الأب يمنح الصبي روحا طرية ، فيزداد نشاطه وجدّه ، ويستمر في التقدم العلمي بكل شوق ورغبة .
أما الأب الجاهل ، الأب المهمل . . . فإنه يفاجىء الصبي بعكس ما كان يتوقع . لا يقرأ كتابته ، وإذا قرأها فلا يستحسن ولا يثني عليه . وأشدّ من ذلك أن بعض الآباء يجبرون الاخفاق والفشل الذي يلاقونه خارج المنزل بالشدة والخشونة مع الزوجة والأطفال فيرزمون بالصبي الذي كله أمل ورجاء ، وبهذا يقتلون روح التقدم فيه ، ويحطمون شخصيته ، ويطفئون سراج أمله واطمئنانه .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ٢ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F134_child-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
