إن هذه اللحظة ولحظات أخر مثلها شديدة التأثير في الطفل من الوجهة التربوية ، فإن سلوك الوالدين السيء تجاه مواقف كهذا يترك أثراً سيئاً في نفسية الطفل .
إن الآباء والأمهات الواعين لا ينظرون في هذه الأحيان الى الطفل أصلاً ، ولا يعتنون بتوقعه العطف والحنان منهما ، ولا يعتبرون هذه الصدفة شيئاً ، وبذلك كله يفهمون الطفل عملياً أن الارتطام بالجدار ، والسقوط على الأرض ، وما يشبه ذلك حوادث اعتيادية في حياة الإِنسان .
هناك بعض الآباء والأمهات الواعين لا يظهرون أي رد فعل للحادثة ولكنهم يستفيدون من تلك الفرصة فينصحون الطفل قائلين له : عندما تقترب من الجدار أو العمود ، تأخر قليلاً حتى لا ترتطم جبهتك بالحائط عندما تنحني .
أما الأباء والأمهات الغافلون فإنهم يظهرون في مثل هذه الحوادث حناناً مفرطاً ، فيضمون الطفل الى صدورهم ويقبلونه ، ويمسحون بأيديهم على جبهته أو ما تألم من أعضائه ، ويظهرون التأثر والتألم لما حدث للطفل وربما يضربون الأرض أو الجدار ترضيه للطفل ، فيبدي رد الفعل أمام كثرة ما يلاقيه من حب وحنان ، ويرفع صوته بالبكاء والعويل ، ويسكب الدموع ، ويرى نفسه أهلاً للحنان بالنسبة لما حدث له . . . وعندما تتكرر محبة الوالدين الفارغة في حوادث أخر مشابهة لهذه الحادثة ، تتولد جذور الصفة الرذيلة ( الإِعجاب بالنفس ) في ضمير الطفل تدريجياً ، ويكبر الطفل على الدلّ ، ويتوقع الحنان والمحبة لكل حدث حقير يقابله .
ينشأ الطفل مع هذا التوقع الخاطىء ، ويترك مرحلة الطفولة منتقلاً الى المراحل الأخرى من حياته ، ويقابل في المجتمع آلاماً كبيرة فلا يتحببب اليه أحد خلافاً لما كان يتوقعه . . . حينذاك يتألم ، ويحس في نفسه بالدناءة ويصاب بعقدة الحقارة ، فيقضي حياته كلها بالتعاسة والشقاء .
إن محبة الوالدين التافهة هي التي أدت الى هذا المصير . . . فشرّ الآباء من دعاه البر الى الإِفراط .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ٢ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F134_child-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
