لقد شهدت أيام خلافة الإِمام عليه السلام في الكوفة موجة من الإِضطرابات والفتن ، وفي بعض الأحيان كان يصمم الحزب المجرم المتمثل في ( الخوارج ) في وضع خطة لاغتيال الإِمام ، ومع ذلك فقد كان يخرج في أواخر الليل الى نقطة هادئة من المدينة ويناجي ربه . وكان يخرج ( قنبر ) الخادم الوفي وراءه حاملاً سيفه مختفياً عن أنظار الإِمام . وفي إحدى الليالي نظر علي عليه السلام الى خلفه فرأى قنبر . . .
فقال له : يا قنبر ما لكَ ؟
قال : جئت لأمشي خلفك ، فإن الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين فخفت عليك .
فقال له الإِمام : إن أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئاً إلا بإذن الله عز وجل ، فارجع . فرجع (١) .
الإِيمان والنفس المطمئنة :
إن علياً عليه السلام رجل الله ، ومعتمد على ذات الله عز وجل . ومن كان معتمداً على الله كان ذا نفس مطمئنة وروح هادئة ، لا طريق للاضطراب والقلق الى ضميره . إنه يختلي بربه كل ليلة ، في مكة والمدينة في الكوفة والبصرة ، في المدينة والصحراء . . . الأمر سواء عنده . إنه يخصص ـ أينما كان ـ ساعة من أواخر الليل لمناجاة ربه ، والتكلم معه بخشية وتضرع ، وبكاء وخشوع . . . يتكلم بكلمات منبعثة من أعماق القلب ، ويسأل الله العون والمدد لجعل قلبه النير اكثر اشعاعاً ، وضميره الطاهر أكثر صفاء .
لقد كانت الثورة الباطنية والتحولات الروحية التي تطرأ على الإِمام علي عليه السلام في مناجاته مع ربه على درجة من الدقة والعمق بحيث يعجز العقل عن إدراكها ، ويقصر اللسان عن وصفها . وكان يصادف أن يطلع عليه أحد فيرى ما هو فيه من الفناء في ذات الله والتوجه نحوه فيصف بعض ذلك بعبارات تقصر عن بيان الحقيقة ، فيقول أحدهم :
____________________
(١) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٩ / ٥١٠ .
![الطفل بين الوراثة والتربية [ ج ٢ ] الطفل بين الوراثة والتربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F134_child-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
