مفاهيم القرآن - ج ١٠

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١٠

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٢
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤٥٩

الشيعة والتفسير

تدويناً وتطويراً

٣٠١

٣٠٢



الشيعة والتفسير

تدويناً وتطويراً

إنّ التعرّف على عظمة القرآن الكريم وقيمته المثلى ، لا يتوقّف على الرجوع إلى كاتب شرقيّ وناطق غربيّ ... إلى هذا العالِم أو ذاك الباحث ، لغرض جمع الشواهد على عظمته ، وسموّ منزلته ، وإن كانت هذه الشواهد من مختلف الطبقات لها مكانتها الخاصّة. ومن حسن الحظّ أنّ هناك كمّية هائلة من الدلائل على علوّ شأنه ، وسموّ مقامه ، في اللفظ والمعنى ، وفي الشكل والمحتوى ، يعرفها كلّ من وقف على الدراسات القرآنية التي قام بها الباحثون ، من شرقيّهم وغربيّهم ، منذ نزول القرآن إلى عصرنا هذا.

غير أنّ هناك طريقاً متقناً للاطّلاع على شأن القرآن الكريم ، وعلوّ مقاصده ، وهو الرجوع إلى نفس ذلك الكتاب العزيز ، واستنطاقه في هذا المجال ، والجثوّ أمامه واستفساره ، وما ذاك إلاّ لأنّ الكلّ معترفون بأنّه لا يبالغ في إخباره وتقييمه ، وأنّ كلّ شيء منه ، حتى كلمه وحروفه جاءت في الآيات ووفق حسابات دقيقة ، بلا إفراط ولا تفريط. وعلى هذا الأساس نرجع إلى الذكر الحكيم ، ونسأله عن أهدافه وأبعاده ، وموقفه من الإنسان في الهداية والضلالة ، والسعادة والشقاء ، والسلم والحرب ، إلى غير ذلك من الأبعاد الكثيرة التي يجدها الباحث المتعمّق في ذلك

٣٠٣

الكتاب. ولكنّ هذه الدراسة ليست دراسة مختصرة ، بل يمكن أن تقع موضوعاً لبحث خاصّ للدارسين له ، حسب التفسير الموضوعيّ.

وبما أنّ الهدف ليس هو التوسّع في ذلك ، فلنقتصر على نصوص الآيات المليئة بالنكات :

١. القرآن نور وضياء للقلوب والعقول. قال سبحانه : ( قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ). ١

٢. القرآن كتاب هداية للمتّقين وذوي القلوب المستعدّة. قال سبحانه : ( ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ). ٢

٣. القرآن كتاب نفيس مشحون بالمثل والقيم. قال سبحانه : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ). ٣

٤. القرآن كتاب الظفر والانتصار بعيد عن وصمة الهزيمة والخذلان. قال سبحانه : ( إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ). ٤

٥. القرآن زاخر بالحكمة والموعظة والبرهنة. قال سبحانه : ( يس * وَالْقُرْآنِ الحَكِيمِ ). ٥

٦. القرآن فيه من العظمة والجلالة والمقدرة لو نزل على جبلٍ لتصدّع أمامه. قال سبحانه : ( لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ ). ٦

٧. القرآن يهدي إلى الطريق المستقيم ، الذي ليس فيه عوج ، ولا أمت. قال

__________________

١. المائدة : ١٥.

٢. البقرة : ٢.

٣. الواقعة : ٧٧.

٤. فصّلت : ٤١.

٥. يس : ١ ـ ٢.

٦. الحشر : ٢١.

٣٠٤

سبحانه : ( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ). ١

٨. القرآن سليم من التناقض ، والاختلاف في التعبير والمضمون. قال سبحانه : ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ). ٢

٩. القرآن كتاب يدور مع الحقّ حيث دار ، والحقّ يدور معه. قال سبحانه : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ ). ٣

١٠. القرآن كتاب مبارك ، حافل بالمعارف والمواعظ التي توقظ العقول ، وتذكر القلوب. قال سبحانه : ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ). ٤

١١. القرآن كتاب أنزله سبحانه على رسوله ، ليبلغه إلى الناس حتى يقوموا بالقسط. قال سبحانه : ( وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ). ٥

١٢. إنّ القرآن يتضمن أمثالاً بديعة ، تهدف إلى معان سامية في سبيل إيجاد نهضة فكرية بين البشر. قال سبحانه : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ). ٦

١٣. القرآن كتاب التزكية للأرواح ، والتصفية للقلوب. قال سبحانه : ( يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ ). ٧

١٤. القرآن جاء بأحسن الحديث وأتقنه ، بحيث تتقبّله النفوس بسرعة ، وتعيه العقول بدون عناء. قال سبحانه : ( اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا

__________________

١. الإسراء : ٩.

٢. النساء : ٨٢.

٣. البقرة : ١٧٦.

٤. ص : ٢٩.

٥. الحديد : ٢٥.

٦. الكهف : ٥٤.

٧. الجمعة : ٢.

٣٠٥

مُّتَشَابِهًا ... ). ١

١٥. القرآن يتلو علينا أحسن القصص وأجملها ، ممّا فيه العبر الغالية. قال سبحانه : ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... ). ٢

١٦. القرآن يبيّن كلّ دقيق وجليل ، ممّا له صلة بسعادة الإنسان وشقائه. قال سبحانه : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ... ). ٣

١٧. القرآن أفضل فرقان لتمييز الحقّ من الباطل ، وخير محكّ لمعرفة السراب عن الماء. قال سبحانه : ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ). ٤

١٨. القرآن خير دليل على صدق النبيّ في نبوّته ورسالته ، لفصاحة ألفاظه ، وجمال عباراته ، وبلاغة معانيه وسموّها ، وروعة نظمه وتأليفه ، وبداعة أُسلوبه. قال سبحانه : ( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ). ٥

١٩. القرآن ذكر وتذكير لما يعرفه الإنسان بفطرته السليمة. قال سبحانه : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ). ٦

٢٠. وفي الختام نقول : إنّ القرآن كتاب يربو عن الريب واعتراء الشكّ. قال سبحانه : ( تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ). ٧

لقد أنزل الله سبحانه القرآن الكريم على قلب سيّد المرسلين ، ليكون للعالمين نذيراً ، يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات

__________________

١. الزمر : ٢٣.

٢. يوسف : ٣.

٣. النحل : ٨٩.

٤. الفرقان : ١.

٥. العنكبوت : ٥١.

٦. القمر : ٣٢.

٧. السجدة : ٢.

٣٠٦

إلى النور بإذنه ، ويهديهم إلى صراط مستقيم ، ويكون مهيمناً لما بين يدي النبيّ من الكتاب. قال سبحانه : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) ١ وقاضياً بين بني إسرائيل فيما يختلفون. قال سبحانه : ( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ). ٢

ولأجل تلك المكانة العليا التي حظي بها ، صار الحجّة القويمة للنبيّ الأكرم في عصره وحياته ، والمعجزة الخالدة بعد مماته ، على مرّ العصور والأحقاب. وما ذلك إلاّ لأنّ الدين الخالد ، والرسالة الأبديّة يحتاج في قضاء العقل إلى حجّة قويّة ، ومعجزة خالدة ، تشقّ الطريق ، وتنير المسير ( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ ) ، بل يكون لله الحجة البالغة ... نزل القرآن الكريم نجوماً منذ بعثة النبيّ إلى أُخريات أيّامه في بضع وعشرين سنة ، فقرع الآذان حتى وصل إلى الجنان ، وملك مجامع قلوب الناس ، وسيطر على أحاسيسهم ومشاعرهم ، فدخل الناس في طاعة القرآن زرافاتٍ ووحداناً ، فأقام النبيُّ الأكرم صرح الحقّ على أنقاض الباطل ، بفضل الكتاب الكريم وحجته الخالدة.

هذه لمحة خاطفة عن مكانة القرآن ، وتأثيره في النفوس ، أخذناها من الكتاب العزيز نفسه ، ولا نطيل الكلام فيها. كيف وقد أفاض المحقّقون الكلام في رسائلهم وكتبهم فيه ؟! وإنّما الهدف في المقام الإيعاز إلى ما قام به المسلمون من أروع الخدمات في سبيل كتابهم ، على وجه لا تجد له مثيلاً لدى أصحاب الشرائع والديانات ، حتى صارت تلك الخدمات حافزاً لتأسيس علوم خاصّة لفهم كتاب الله سبحانه ، فدوّنوا علم النحو والصرف ، وعلوم البلاغة والفصاحة ، والقراءة

__________________

١. المائدة : ٤٨.

٢. النمل : ٧٦.

٣٠٧

والتجويد ، وقسماً من التاريخ والمغازي والفقه ، لفهم القرآن العزيز. وفي ظلّ تلك العلوم بقي القرآن مفهوماً للأجيال ، وصارت اللغة العربية لغة خالدة على جبين الدهر.

ولقد شارك المسلمون عامّة لتسهيل فهم القرآن في تأليف كتب ورسائل خاصة ، في مجالات مختلفة ، اختلفت بذكرها المعاجم والفهارس ، منذ رحلة النبيّ الأكرم إلى يومنا. فلا تجد ظرفاً من الظروف إلاّ فيه اهتمام كبير بفهم القرآن ، وتفسير مفاهيمه السامية بصور مختلفة ، كلّ ذلك بإخلاص ونيّة طاهرة ، من غير فرق بين السنّة والشيعة. فخدّام القرآن ومفسروه ـ شكر الله مساعيهم ـ أدّوا وظائفهم الكبرىٰ في سبيل رسالتهم الإسلاميّة ، ولن تجد أُمّة خدمت كتابها الديني مثل الأُمّة الإسلامية طوال قرون ، فقد خدموه بشتّى ألوان الخدمة ، بحيث يعسر إحصاؤها وحصرها. ولو قمنا بجمع ما أُلّف حول القرآن في القرون الغابرة ، لجاء مكتبة ضخمة ، تأتي فهارسها في أجزاء كثيرة.

كما إنّك لا تجد كتاباً سماويّاً ، أوجد رجّة وتحوّلاً في الحياة البشريّة مثلما أوجده القرآن الكريم في حياة الأُمم. فهو كوّن الأُمّة الإسلامية وأرسىٰ كيانها ، وأعطى لها دستوراً كاملاً في مجال الحياة العامّة. وهذا من خصائص الأُمّة الإسلامية في القرآن الكريم.

فها نحن نأتي بأسماء أعلام التفسير ـ بعد الرسول والأئمّة المعصومين ـ من الشيعة ، أفاض الله على الجميع شآبيب الرحمة والرضوان. ولكنّ ذلك بعد تبيين موقف الرسول الأعظم وأئمّة أهل البيت من الكتاب العزيز.

٣٠٨

الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المفسّر الأوّل

إنّ مهمّة الرسول لم تكن منحصرة في تلاوة القرآن الكريم ، وإقرائه للناس ، بل كان عليه وراء ذلك ، تبيين معالمه ، وتوضيح مقاصده. يقول سبحانه : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ). ١

نرى أنّه سبحانه يقول ( لِتُبَيِّنَ ) مكان لتقرأ فمهمّة الرسول الخطيرة هي توضيح مفاهيم الذكر الحكيم ، وسبر أغواره. ولأجل ذلك كان الرسول يفسّر الآيات واحدة بعد أُخرىٰ أو مجموعة بعد مجموعة.

قال أبو عبد الرحمن السلميّ : حدّثنا الذين كانوا يقرأون القرآن كعثمان بن عفّان ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهما أنّهما كانوا إذا تعلّموا من النبيّ عشر آيات ، لم يتجاوزوها حتّى يعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا : فتعلّمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. ولهذا كانوا يبقون مدّة في حفظ السورة. ٢

فإذا كان الرسول مأموراً من جانبه سبحانه ببيان القرآن وتفسيره ، فأين هذه الأحاديث التي صدع بها الرسول ووعاها السلف الصالح ؟

نرى أنّ جميع ما ورد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من التفاسير المصرّح برفعها إليه ـ غير ما ورد من أسباب النزول ـ لا يتجاوز المائتين وعشرين حديثاً تقريباً. وقد أتعب جلال الدين السيوطيّ نفسه ، فجمعها من مطاوي الكتب في آخر كتابه الإتقان ، فرتّبها على ترتيب السور من الفاتحة إلى سورة الناس. ٣ ومن المعلوم أنّ هذا المقدار

__________________

١. النحل : ٤٤.

٢. الإتقان : ٤ / ١٧٥ ـ ١٧٦ ، ط مصر.

٣. المصدر نفسه : ١٧٠.

٣٠٩

لا يفي بتفسير القرآن الكريم ، ولا يمكن لنا التقوّل بأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تقاعس عن مهمته ، أو أنّه لم يكن مأموراً بأزيد من ذلك.

نعم ؛ قام الرسول بمهمته الكبيرة مع ما له من الواجبات الوافرة تجاه رسالته ، ووعتها عنه أُذُن واعية ، وبلّغها إلى المستحفظين من أُمّة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، غير أنّ أهل السنّة ـ إذ لم يهتمّوا بالأخذ والنقل من تلكم الآذان الواعية ـ قصرت أيديهم عن أحاديث الرسول الأعظم في مجال التفسير. فلو أنّهم رجعوا إلى باب علم النبيّ عليه الصلاة والسلام وأهل بيته المطهّرين من الرجس بنصّ الذكر الحكيم ١ لوقفوا على كميّة هائلة من أحاديث الرسول حول القرآن وتفسيره عن طرقهم ، منتهية إلى صاحب الرسالة ، وإنّ هذا والله لخسارة كبيرة ، وحرمان أصاب أهل السنّة والجماعة ، حيث أخذوا الحديث من نظراء كعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وتميم الداريّ ، وأمثالهم ومُسْلِمة أهل الكتاب ، أو أخذوا من أُناس كانوا يأخذون قصص الأنبياء ، وبدء الخليقة من أهل الكتاب ٢ ، ولم يدقّوا باب أهل بيته حتى يسألوهم عمّا ورثوه عن رسول الله ، وقد قال سبحانه : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... ) ٣ . ٤

ولأجل ذلك قامت الشيعة بتدوين آثار الرسول عن طريق أهل بيته ، فألّفوا في هذا المضمار كتباً جليلة ، تفسّر القرآن الكريم بالأثر المرويّ عنه وعن أهل بيته ، كما ستوافيك أسماؤها وأسماء مصنّفيها ، عند البحث عن مفسّري الشيعة في القرون

__________________

١. الأحزاب : ٣٣.

٢. المقدمة ( ابن خلدون ) : ٤٣٩ ؛ ولاحظ « بحوث في الملل والنحل » : ١ / ٧٦ ـ ١٠٨.

٣. فاطر : ٣٢.

٤. فلازم على الباحث أن يبحث عن المصطفين من عباده سبحانه الذين أورثهم فهم الكتاب.

٣١٠

الأُولى. ولنذكر نماذج ممّا أُثر عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مجال التفسير تيمّناً وتبرّكاً :

١. لمّا نزل قوله سبحانه : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ). ١ قال عديّ بن حاتم : إنّي وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود ، فكنت أنظر فيهما ، فلا يتبين لي. فضحك رسول الله حتّى رؤيت نواجذه ثمّ قال : « ذلك بياض النهار ، وسواد الليل ». ٢

٢. روى علي عليه‌السلام في تفسير قوله سبحانه : ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ ). ٣ قال سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « إنّ الله عزّ وجلّ قال : ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلاّ الجنّة ». ٤ فالإيمان بتوحيد ذاته وصفاته وأفعاله عمل العبد ، قدّمه إلى بارئه ، فيجزيه بالجنّة. وفي الوقت نفسه كلاهما من جانبه سبحانه ، فهو الذي يوفق عبده للإيمان.

٣. ولمّا نزل قول الله سبحانه : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) ٥ فقال أصحابه : وأيّنا لم يظلم نفسه ؟ ففسّر النبيّ الظلم بالشرك ، لقوله سبحانه : ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ٦. ٧ وهذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن. كيف والله سبحانه يصفه بأنّه تبيان لكلّ شيء ويقول : ( نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) ٨ فهل يمكن أن يكون تبياناً لكلّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه ؟

__________________

١. البقرة : ١٨٧.

٢. مجمع البيان : ١ / ٢٨١ ، ط صيدا.

٣. الرحمن : ٦٠.

٤. تفسير البرهان : ٤ / ٢٧٢.

٥. الأنعام : ٨٢.

٦. لقمان : ١٣.

٧. الإتقان : ٤ / ٢١٤ ـ ٢١٥.

٨. النحل : ٨٩.

٣١١

الوصيّ هو المفسر الثاني

من سبر كتب التفسير والحديث يجد أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام هو المفسر الأكبر بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعنه أخذ كثير من الصحابة. قال السيوطيّ : أمّا الخلفاء فأكثر ما روي عنه منهم عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، والرواية من الثلاثة نزرة جداً ، فأمّا عليّ عليه‌السلام فروي عنه الكثير. وقد روى معمّر عن وهب بن عبد الله ، عن أبي الطفيل قال : شهدت عليّاً يخطب ، فيقول : « فوالله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله ، فوالله ما من آية إلاّ وأنا أعلم أبليلٍ نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل ».

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود ، قال : إنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف ، ما منها حرف إلاّ وله ظهر وبطن ، وإنّ عليّ بن أبي طالب عنده منه الظاهر والباطن.

وأخرج أيضاً من طريق أبي بكر بن عيّاش ، عن نصير بن سليمان الأحمسيّ ، عن أبيه ، عن عليّ ، قال : « والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيم أُنزلت ؟ وأين أُنزلت ؟ أنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ، ولساناً سؤولاً ». ١

يقول الذهبي في مكانة « عليّ » في التفسير : جمع علي رضي الله عنه إلى مهارته في القضاء والفتوى ، علمه بكتاب الله وفهمه لأسراره وخفيّ معانيه ، فكان أعلم الصحابة بمواقع التنزيل ، ومعرفة التأويل ، فقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال : ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب عليه‌السلام. ٢

__________________

١. الإتقان : ٤ / ٢٠٤.

٢. التفسير والمفسّرون : ١ / ٨٩ ـ ٩٠.

٣١٢

عثرة لا تقال

إنّ الدكتور محمد حسين الذهبيّ جعل علي بن أبي طالب ـ بحسب كثرة من روى عنه ـ في الدرجة الثالثة ، وجعل عبد الله بن عبّاس في الدرجة الأُولى ، ثمّ ابن مسعود في الدرجة الثانية ١ والرجل بخس حقّ عليّ بخساً بيّناً ، فلو سلّمنا أنّ ما روي عن ابن عبّاس أكثر مما روي عن أمير المؤمنين ، فهل يمكن لنا أن ننكر اعتراف حبر الأُمّة بأنّه تخرّج على يد عليّ بن أبي طالب وأنّ ما أخذ من تفسير القرآن فإنّما أخذه عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ! كيف لا ، وقد لازم عليّاً قرابة ثلاثين سنة كما هو واضح لمن درس حياته ؟! قال ابن أبي الحديد : ومن العلم علم تفسير القرآن ، وعنه أُخذ ، ومنه فرِّع. وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحّة ذلك ، لأنّ أكثره عنه وعن عبد الله بن عبّاس. وقد علم الناس حال ابن عبّاس في ملازمته له ، وانقطاعه إليه ، وأنّه تلميذه وخرّيجه. وقيل له : أين علمك من علم ابن عمّك ؟ فقال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط. ٢

ومن أراد أن يقف على نموذج من علم الإمام بالتفسير وأقسامه المختلفة ، فعليه الرجوع إلى الخطبة المرويّة عنه حول القرآن وأقسام تفسيره ، وقد رواها القمّي في أوّل كتابه ، وأدرجها البحرانيّ في تفسيره ، عند البحث عن مقدّمات التفسير ، وإليك مستهلّ الخطبة : ٣

« ولقد علم المستحفظون من أُمّة محمّد أنّه قال : إنّي وأهل بيتي مطهّرون ، فلا

__________________

١. المصدر نفسه.

٢. شرح نهج البلاغة : ١ / ١٩.

٣. تفسير عليّ بن إبراهيم : ١ / ٥ ـ ١٠ ، والإمعان فيه يعرب عن دخول ما ليس من كلامه فيه ؛ ولاحظ تفسير البرهان : ١ / ٣٢.

٣١٣

تسبقوهم فتضلّوا ، ولا تتخلَّفوا عنهم فتزلُّوا ، ولا تخالفوهم فتجهلوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم. هم أعلم الناس كباراً ، وأحلم الناس صغاراً ، فاتّبعوا الحقّ وأهله حيث كان ـ إلى أن قال ـ فالقرآن منه ناسخ ومنسوخ ، ومنه محكم ومتشابه ، ومنه خاصّ وعامٌّ ... » إلى آخر ما ذكر من أقسام ، وأعطى لكلّ قسم مثالاً من القرآن. والخطبة جديرة بالمطالعة ، وهي من خطبه الجليلة ، وربما نسبها الغافل إلى غيره وقد طبعت مع مقدمة قصيرة منسوبة إلى السيّد المرتضى قدس‌سره باسم « المحكم والمتشابه » ، لكنّه من خطأ الناسخ والطابع.

هذا وإنّ للذهبيّ عثرات كثيرة ، وزلاّت وافرة ، خصوصاً فيما يرجع إلى قضائه في حقّ الشيعة وكتبهم التفسيريّة ، فقد قصّر في أداء الواجب ، وبخس حقّهم ، ولنا مع الرجل موقف آخر نؤدّي فيه حقّ المقال إن شاء الله تعالى.

ذكر الذهبيّ مشاهير المفسّرين من الصحابة ، وعدّ منهم ـ مضافاً إلى من عرفت أسماءهم ـ أُبيّ بن كعب كما ذكر من مشاهير التابعين : سعيد بن جبير ، مجاهد بن جبر ، عكرمة البربريّ ، عطاء بن رباح ، أبا العالية رفيع بن مهران ، محمّد بن كعب القرظيّ ، علقمة بن قيس ، مسروق بن الأجدع ، الأسود بن يزيد ، مرّة الهمدانيّ ، عامر الشعبيّ ، الحسن البصريّ ، وقتادة الدوسيّ.

ولكنّه تنكّب عن مهيع الطريق ، فلم يعدّ الحسن والحسين ممّن روي عنهما التفسير من الصحابة ، كما لم يعد الإمام زين العابدين ، ومحمّداً الباقر وجعفراً الصادق في التابعين الذين روي عنهم التفسير. وهب أنّه لم يستقص رواة التفسير من الصحابة حتّى يكون له عذر في ترك ذكر الإمامين الهُمامين السبطين الشريفين ، ولكنّه لماذا لم يذكر أئمّة المسلمين وسادة العارفين والصادقين عليهم‌السلام الذين روي

٣١٤

عنهم العلوم في مجالات شتّى ، وفي التفسير خاصّة ، حتى نقل الناس عن أحدهم ، وهو الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر ذكره في البلدان.

هذا هو الرازيّ يقول في تفسيره سورة الكوثر : « ثمّ انظر كم كان فيهم ( أولاد الرسول ) من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق ، والكاظم والرضا عليهم‌السلام والنفس الزكيّة وأمثالهم ». ١

هذا هو الحسن البصريّ الذي أثنى عليه الذهبيّ ثناءً جزيلاً يكتب إلى السبط الأكبر ـ الذي أهمل ذكره ـ قائلاً : « فإنّكم معشر بني هاشم ، الفلك الجاريّة في اللجج الغامرة ، والأعلام النيّرة الشاهرة ، أو كسفينة نوح التي نزلها المؤمنون ، ونجا فيها المسلمون ». ٢

أو ليس عدم الإشادة بذكره وذكر أخيه بخساً لحقّهم ؟! وإن كان الأئمّة الطاهرون الذين أسميناهم ، والذين من بعدهم أعرف من أن يُعرفوا ، وهم روّاد العلم وقادته ، إليهم تنسب كلّ فضيلة غالية ، سواء أتى على ذكرهم الذهبيّ أم لم يأتِ.

من تلقَ منهم تلقَ كهلاً أو فتىً

علم الهدى ، بحر الندىٰ المورودا

ولأجل ذلك نذكر في مقدم المقال أئمّة الشيعة ، وهم أئمّة المسلمين جميعاً ، وننقل عن كلّ واحد نزراً يسيراً في مجال التفسير ، ومن أراد الاستيعاب في المقام ، فعليه الرجوع إلى كتب التفسير ، بالأثر ، ليجد فيها بُغيته كما يقف بالرجوع إليها على

__________________

١. مفاتيح الغيب : ٨ / ٤٩٨ ، الطبعة المصرية في ثمانية أجزاء.

٢. تحف العقول : ١٦٦ ، طبع بيروت.

٣١٥

مدىٰ تقصير القوم ـ الذهبيّ وأساتذته ـ في غابر القرون ١ عن الرجوع إليهم ، والإشادة بذكرهم والاستضاءة بأنوارهم.

على أنّنا نختار من المأثورات الكثيرة عنهم في مجال التفسير ما يدور على أحد المحاور الثلاثة : إمّا أن يكون تفسيراً للآية بأُختها ، أو تفسيراً لغويّاً وبيانيّاً ، أو استدلالاً بالآية على مبدأ اعتقاديّ ، وإن كانت ألوان التفسير في رواياتهم متشعّبة.

نماذج ممّا روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في مجال التفسير

كان عليه‌السلام يستخرج محاسن المعاني عن الآيات ممّا يبهر العيون ويحيّر العقول قال صلوات الله عليه بعد رحلة الرسول :

١. « كان في الأرض أمانان من عذاب الله ، وقد رفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسّكوا به ، أمّا الأمان الذي رفع فهو رسول الله ، وأمّا الأمان الباقي فهو الاستغفار ، قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ». ٢

٢. ومن محاسن الاستخراج ولطائف الاستنباط قضاؤه في أقلّ الحملِ ، وفهمه من كتاب الله سبحانه ما يلي :

« أخرج الحافظان أبو حاتم والبيهقيّ عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي : أنّ عمر بن الخطاب رفعت إليه امرأة ولدت لستّة أشهر فهمّ برجمها. فبلغ ذلك

__________________

١. كالحافظ شمس الدين الداوديّ في طبقات المفسّرين ، وعادل نويهض في معجم المفسّرين ، وأخيراً الذهبيّ في التفسير والمفسّرون.

٢. نهج البلاغة : قسم الحكم ، الحكمة رقم ٨٨.

٣١٦

عليّاً ، فقال : « ليس عليها رجم » فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه ، فسأله ، فقال : قال الله تعالى : ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) وقال : ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) فستة أشهر حمله ، وفصاله في حولين ، وذلك ثلاثون شهراً فخلّى عنها ، فقال عمر : اللّهمّ لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب. ١

٣. سأل يهوديّ عليّاً عليه‌السلام عن مدّة لبث أصحاب الكهف ، فقال : ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ). فقال اليهودي : إنّا نجد في كتابنا : ثلاثمائة ، فقال عليه‌السلام : « ذاك بسنيّ الشمس ، وهذا بسنيّ القمر ». ٢ وبذلك بيّن الإمام وجه عدول الآية عن التعبير الرائج في أمثال المقام إلى ما ورد فيها ، فإنّ التعبير الرائج فيها هو فلبثوا في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين ، ولكنّه عبّر عنه بقوله : ( وَازْدَادُوا تِسْعًا ) ، وما هذا إلاّ للإشارة إلى أنّ التعبيرين كليهما صحيحان ، واحد منهما بالسنوات الشمسيّة ، والآخر بالقمريّة.

وكم لعليّ عليه‌السلام من هذه المواقف في استخراج حكم الوقائع من كتاب الله وسنّة نبيّه ، وكم له من حلّ للمعضلات من الأُمور عن طريق تفسير الكتاب ، وبما أنّها مبثوثة في الكتب ، مشهورة بين المحدّثين والمفسّرين اكتفينا بهذه النماذج.

الحسن بن علي عليه‌السلام والتفسير

الحسن بن علي هو السبط الأكبر ، وريحانة رسول الله ، ووارث علم أبيه ، وحامل راية الإمامة بعده ، بتنصيص من الرسول والوالد ، وقد أُثر عنه في مجال

__________________

١. السنن الكبرى : ٧ / ٤٢٢ ؛ ولاحظ تفسير الرازي : ٧ / ٤٤ ، الطبعة المصريّة القديمة.

٢. بحارالأنوار : ٥٨ / ٣٥٢.

٣١٧

التفسير ما تعلو عليه القوّة والجدارة ، رغم ما منيت به آثاره من إعراض وإنكار. وإليك نماذج من آرائه في القرآن وتفسيره :

« إنّ هذا القرآن فيه مصابيح النور ، وشفاء الصدور ، فليجلُ جالٍ بضوئه ، وليلجم الصفة قلبه ، فإنّ التفكير حياة القلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور ». ١

« ما بقي من الدنيا بقيّة غير هذا القرآن ، فاتخذوه إماماً يدلّكم على هُداكم ، وإنّ أحقّ الناس من عمل به ، وإن لم يحفظه ، وأبعدهم من لم يعمل به ، وإن كان يقرأه ». ٢

« إنّ هذا القرآن يجيء يوم القيامة قائداً وسائقاً : يقود قوماً إلى الجنّة ، أحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه ، وآمنوا بمتشابهه ؛ ويسوق قوماً إلى النار ، ضيّعوا حدوده وأحكامه ، واستحلّوا محارمه ». ٣

« من قال في القرآن برأيه ، فأصاب ، فقد أخطأ ». ٤

وإليك نماذج ممّا روي عنه في مجال التفسير :

١. سئل عليه‌السلام عن معنى الشاهد والمشهود ، في قوله سبحانه : ( وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) ٥ فقال : أمّا الشاهد فمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمّا المشهود فيوم القيامة ، أما سمعته يقول : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ... ) ٦. وقال تعالى : ( ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ) ٧. ٨ وهذا كما ترى تفسير للقرآن بالقرآن ، وكم له من نظائر في أحاديث أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.

__________________

١. كشف الغمة : ٢ / ١٩٥.

٢. إرشاد القلوب : ٨١.

٣ و ٤. نفس المصدر. ٥. البروج : ٣.

٦. الأحزاب : ٤٥.

٧. هود : ١٠٣.

٨. بحار الأنوار : ١ / ١٣.

٣١٨

٢. وسئل عن تفسير قوله تعالى : ( ... آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ) قال : هي العلم والعبادة في الدنيا ، والجنّة في الآخرة ». ١ فقد نبّه الإمام في كلامه هذا إلى ما يغفل عنه أكثر العامة ، إذ أيّة حسنة أعلى من العلم والمعرفة ، وعبادته سبحانه في الدنيا ؟ وثمرة المعرفة هي الطاعة والعبادة.

٣. كان الحسن بن عليّ إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه ، وقال : « إنّ الله جميل ، ويحبّ الجمال ، فأتجمّل لربّي ، وقرأ : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) » ٢. ٣ فالصلاة وفود العبد إلى الله سبحانه ، فيليق بالوافد أن يحضر بأجمل الحالات ، وأحسن الأوضاع ، لأنّ الموفود إليه مالك الملك والملكوت.

الإمام السبط الشهيد عليه‌السلام والتفسير

الإمام السبط الشهيد ريحانة رسول الله ، وسبطه الأصغر ، وهو من أهل بيت النبوّة بنصّ من النبيّ الأكرم ، وقد استشهد عام ٦١ ه‍ في أرض الطفّ بيد الجور والعدوان. وقد عاصر الإمام خلافة معاوية عشر سنين ، وكانت سياسة ذلك الداهية هي سياسة القمع والإرهاب فلم ينتشر من الإمام إلاّ بعض خطبه ورسائله ، وكلماته الحكيمة. ومع ذلك ففي هذا النزر اليسير الذي أفلت من يد الأيّام ، الحجة البالغة والبرهان اللائح على أنّه وارث علم النبيّ وعلم أبيه ، كيف وهو من الثقلين اللّذين أمر النبيّ بالتمسّك بهما ؟ وإليك نماذج ممّا أُثر عنه في مجال التفسير :

١. كتب أهل البصرة إليه يسألونه عن « الصمد » فكتب إليهم : « بسم الله

__________________

١. الاثنا عشرية ( الحسيني ) : ٥٣.

٢. الأعراف : ٣١.

٣. تفسير الصافي : ٢ / ١٨٩ ، ط بيروت.

٣١٩

الرّحمن الرّحيم ، أمّا بعد ؛ فلا تخوضوا في القرآن ، ولا تجادلوا فيه بغير علم ، فقد سمعت جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : من قال في القرآن بغير علم ، فليتبوّأ مقعده من النار ، وإنّ الله سبحانه قد فسّر الصمد ، فقال : ( اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ ) ثمّ فسره فقال : ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ). لم يلد : لم يخرج منه شيء كثيف كالولد ، وسائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين ، ولا شيء لطيف كالنفس ، ولا يتشعّب منه البدوات كالسنة ، والنوم ، والخطرة ، والهمّ ، والحزن ، والبهجة ، والضحك ، والبكاء ، والخوف ، والرجاء ، والرغبة ، والسأمة ، والجوع ، والشبع ، تعالى أن يخرج منه شيء ، وأن يتولّد منه شيء كثيف أو لطيف ... بل هو الله الصمد الذي لا من شيء ، ولا في شيء ، ولا على شيء. مبدع الأشياء وخالقها ، ومنشئ الأشياء بقدرته ، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته ، ويبقىٰ ما خلق للبقاء بعلمه ، فذلكم الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد ، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ». ١

٢. سأله رجل عن معنى قوله سبحانه : ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) ٢ فقال عليه‌السلام : « إمام دعا إلى الله فأجابوه إليه ، وإمام دعا إلى الضلالة فأجابوه إليها. هؤلاء في الجنة ، وهؤلاء في النار. وهو قول الله عزّ وجلّ : ( فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) ٣ ٤

٣. سأله نضر بن مالك ، وقال : يا أبا عبد الله حدِّثني عن قول الله عزّ وجلّ : ( هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) ٥ فقال عليه‌السلام : « نحن وبنو أُمية اختصمنا

__________________

١. توحيد الصدوق : ٥٦.

٢. الإسراء : ٧١.

٣. الشورى : ٧.

٤. بلاغة الحسين : ٨٧.

٥. الحج : ١٩.

٣٢٠