🚘

مفاهيم القرآن - ج ١٠

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١٠

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٢
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤٥٩
🚘 نسخة غير مصححة

في الله عزّ وجلّ ، قلنا : صدق الله ، وقالوا : كذب الله. فنحن وإيّاهم الخصمان يوم القيامة ». ١ والإمام فسر الآية بالتنبيه على المصداق الواضح. وعلى هذا جروا في تفسيرهم للآيات القرآنية ، فهم يفسّرونها بمصاديق واضحة ، وجزئيّات خاصّة ، ولا يريدون انحصار مفهومها فيه.

٤. سئل عن معنى قول الله : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) ٢ فقال عليه‌السلام : « أمر النبيّ أن يحدّث بما أنعم الله به عليه في دينه ». ٣ وقد لفت الإمام في هذا التفسير نظر السائل إلى أظهر مصاديق النعمة وأكملها ، بما ربما يغفل عنه الإنسان ، ويتصوّر أنّ النعم التي يجب التحدّث بها هي النعم الدنيويّة ، مع أنّها ضئيلة في مقابل النعم الأُخرويّة ، فقد قلنا : إنّ هذا النمط من التفسير في كلامهم كثير ، وهذا التفسير هو ما يسمّيه العلاّمة الطباطبائي بالجري والتطبيق. ولا يراد انحصار الآية في المصداق الخاصّ ، وربما يتصوّر الجاهل بأنّ هذا النوع من التفسير تفسير بالرأي أو تفسير بالباطن ، غافلاً عن أنّه تفسير بالمصداق والتطبيق ، لأنّ إعطاء الضابطة بالمثال أوقع في النفوس ، وأقرب إلى ترسيخها فيها ، خصوصاً إذا كان المصداق ممّا يغفل عنه المخاطب.

هذه نماذج ما روي عن الإمام السبط الشهيد ، حسين الإباء والعظمة أبي الشهداء ، سلام الله عليه سلاماً لا نهاية له.

زين العابدين عليه‌السلام والتفسير

الإمام زين العابدين ، إمام العارفين ، وقائد الزاهدين ، وسيّد الساجدين ،

__________________

١. بلاغة الحسين : ٨٧.

٢. الضحى : ١١.

٣. تفسير الصافي : ٣ / ٣٦٨ ؛ ونور الثقلين : ٣ / ٤٧٦ ، نقلاً عن الخصال.

٣٢١

رابع أئمّة العصمة والطهارة ، ولد بالمدينة المنورة سنة ستّ وثلاثين من الهجرة يوم فتح البصرة ونزول النصرة على أبي الأئمّة ، وتوفّي فيها سنة خمس وتسعين مسموماً ، ودفن بالبقيع ، وعاش مع جدّه عليّ أربع سنين ، ومع عمّه الحسن عشر سنين ، ومع أبيه كذلك ، إلى أن استلم الوصاية والولاية من أبيه.

ومن آثاره الباقية أدعيته المعروفة بالصحيفة السجاديّة ، وقد بلغت في جزالة اللفظ ، وبلاغة التعبير ، وجودة السبك ، ورقة المعاني ، ولطافة المفاهيم مبلغاً ، لا يدرك شأوه. كما روي عنه عليه‌السلام أحاديث وافرة في مجال التفسير ، ونأتي بنماذج قليلة منها ليكون مثالاً لما لم ننقله عنه :

١. كان التقشّف سائداً على زهاد عصره ، فيتخيّلون أنّ الزهد في ترك ملاذّ الحياة وملابسها ، ولبس الثوب الخشن ، وأكل الطعام الجشب ، مع أنه من مظاهر الزهد لا من مقوماته وحقيقة الزهد يرجع إلى أن لا يملك الإنسان شيء ، فجاء رجل ، فسأله عن الزهد ، فقال : إنّ الزهد كلّه في آية من كتاب الله : ( لِّكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) ١. ٢

فكان يشتري كساء الخزّ بخمسين ديناراً ، ويقول : ( مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) ٣. ٤

وعلى هذا مشى الأئمّة فكان الحسن السبط ـ كما عرفت ـ إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه ، فقتل الحسين وعليه جبّة خزّ ، وكان للإمام الصادق عليه‌السلام جبّة خزّ وطيلسان خزّ ، فإذا سئل عن لبسه قرأ قوله سبحانه : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ

__________________

١. الحديد : ٢٣.

٢. مجمع البيان : ٥ / ٢٤٠.

٣. الأعراف : ٣٢.

٤. المصدر نفسه : ٤ / ٤١٣ ؛ ورواه الآلوسيّ في روح المعاني : ٨ / ١١١.

٣٢٢

اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ). ١

فالجاهل ينظر إلى الصور والظواهر ، ويغترّ بها ، ويتخيّل أنّ كلّ متقّشّف خشن الثوب والطعام زاهد ، وإن ملأ قلبه حبُّ الدنيا والرئاسة. والمؤمن ينظر إلى النيّات والبواطن ، فمن كان قلبه فارغاً عن كلّ شيء إلاّ حبّه سبحانه ، فهو زاهد بتمام معنى الكلمة ، ولكن من علّق قلبه بثوب خلق ، وعصاًبالية ، فهو راغب غير زاهد.

٢. سئل علي بن الحسين عن قوله سبحانه : ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) فقال : « معناه بيّنه تبياناً ، ولا تنثره نثر البقل ، ولا تهذّه هذّا الشعر ٢ فقفوا عند عجائبه ، لتحرّكوا به القلوب ، ولا يكون همّ أحدكم آخر السورة ». ٣

٣. قال سعيد بن جبير : سألت عليّ بن الحسين عليهما‌السلام عن قول الله تعالى : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، قال : « هي قرابتنا أهل البيت ». ٤ إنّ الآيات القرآنيّة تشهد على أنّ شعار الأنبياء في طريق دعوتهم كان دائماً هو رفض الأجر ، وعدم طلبه من الأُمّة ، وكلّهم يهتفون بهذا ( إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ). ٥

وعند ذلك كيف يصحّ للنبيّ أن يبدّل هذا الشعار ، ويجعل مودّة أقربائه أجراً على رسالته ؟! والجواب عن هذا السؤال واضح. فإنّ المراد هي الأُجور

__________________

١. المصدر نفسه : ٤ / ٤١٢.

٢. الهذّ : القطع بسرعة.

٣. نوادر الراوندي : ص ٣٠ ، طبع مع غيبة الشيخ المفيد.

٤. أحكام القرآن : ٣ / ٤٧٥.

٥. الشعراء : ١٠٩ ، ١٢٧ ، ١٤٥ ، ١٦٤ ، ١٨٠.

٣٢٣

الدنيوية التي كان بإمكان البشر تقديمها إلى الرسل. وأمّا مودّة أهل بيتهم وولائهم فليس أجراً دنيويّاً ، بل الاتّصال بهم من خلال هذه المودّة ذريعة لتكامل الأُمّة في المراحل الفكريّة والعمليّة ، فعندئذٍ تنتفع بها الأُمّة الإسلاميّة قبل أن تنتفع بها العترة ، وفي هذه الصورة لا تكون المودّة في القربى أجراً ، وإن أُخرجت في الآية بصورة الأجر. ومن المعلوم أنّ الأُمّة الإسلاميّة إنّما تنتفع ببعض أقرباء النبيّ لا كلّهم ، وهم أهل بيته الذين طهّرهم الله عن الرجس.

٤. روى ابن كثير في تفسيره ذكر ما جرى بين الإمام والرجل الشاميّ ، يوم جيء به أسيراً إلى الشام ، وقال له عن جهل بالإمام : الحمد لله الذي قتلكم ، فقرأ عليّ بن الحسين عليه آيات من القرآن ومنها هذه الآية ، وقال : « نحن قرابته ». ١

الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام والتفسير

الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام من أعلام أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، وأفذاذ العترة الطاهرة ، قام بالإمامة والقيادة الروحيّة بعد أبيه زين العابدين ، ولد عام ( ٥٧ ه‍ ) ولبّى دعوة ربّه عام ( ١١٤ ه‍ ) ، وقد وقف حياته كلّها لنشر العلم والحديث بين الناس ، ولم يعرف التاريخ له مثيلاً إلا ولده البارّ جعفر الصادق ، وقد غذّى رجال الفكر ، وروّاد العلم بعلمه ، وأرسى مدرسة كبيرة علميّة ، زخرت بكبار الفقهاء والمحدّثين والمفسّرين ، يقف عليها من درس رجال الحديث في الشيعة ، كما صرف قسماً كبيراً من عمره في تفسير القرآن ، وقد تخرّج عليه لفيف من المفسّرين.

فهذا أبو الجارود زياد بن المنذر فسّر القرآن من أوّله إلى آخره.

__________________

١. تفسير ابن كثير : ٤ / ١١٢.

٣٢٤

يقول النجاشي : له كتاب تفسير القرآن ، رواه عن أبي جعفر عليه‌السلام. ١

وقال ابن النديم في « الفهرست » ، عند عرضه للكتب المؤلّفة في تفسير القرآن : « كتاب الباقر محمد بن علي بن الحسين رواه عنه أبوالجارود ، زياد بن المنذر » ٢ قد روي قسم منه في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي ، وسنوافيك بأسماء لفيف من تلامذته ، وخرّيجي مدرسته ، ممّن ألّفوا في مجال التفسير كتاباً ، فانتظر.

نماذج من تفسير الإمام الباقر عليه‌السلام

١. سئل الإمام عن معنى قوله سبحانه : ( وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ) ٣ وما هو المراد من غضب الله ؟ فأجاب الإمام : « طرده وعقابه ». ٤ وبذلك أعرب الإمام عن أنّ الصفات الخبريّة ، كالغضب والرضا ، واليد والعين ، وغير ذلك إنّما تجري على الله سبحانه ، مجرّدة عن لوازم المادّة والجسمانيّات ، فلا مناصَ من تفسيره بمظاهر الغضب ، وهو الطرد والعقاب.

٢. سأل بريد العجليّ الإمام الباقر عليه‌السلام عن الملك العظيم في قوله تعالى : ( فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) ٥ فقال : « الملك العظيم أن جعل فيهم أئمّة من أطاعهم أطاع الله ، ومن عصاهم فقد عصى الله ، فهو الملك العظيم ». ٦ فقد نوّه الإمام بتفسيره هذا أنّ الملك العظيم في لسان الشرع ليس هو السلطة الجبّارة التي تركب رقاب الناس ، من دون أن تكون لها أيّة مشروعيّة ، وإنّما الملك العظيم من استند في سلطته إلى الله سبحانه تكون طاعته

__________________

١. رجال النجاشي : ١ / ٣٨٨ برقم ٤٤٦.

٢. فهرست ابن النديم : ٥٦.

٣. طه : ٨٢.

٤. الفصول المهمّة : ٢٢٧.

٥. النساء : ٥٤.

٦. البحار : ٢٣ / ٢٨٧ ح ١٠.

٣٢٥

طاعته ، وعصيانه عصيانه.

٣. روى جابر الجعفي أنّه سأل الإمام عليه‌السلام عن قوله سبحانه : ( لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ). ١ فقال الإمام : « ما يقول فقهاء العراق في هذه الآية ؟ » قال جابر : رأى يعقوب عاضاً على إبهامه ، فقال عليه‌السلام : « حدّثني أبي عن جدّي علي بن أبي طالب عليه‌السلام : أنّ البرهان الذي رآه أنّها حين همّت به وهمّ بها ، فقامت إلى صنم ، فسترته بثوب أبيض خشية أن يراها ، أو استحياءً منه. فقال لها يوسف : تستحين من صنم لا ينفع ولا يضر ولا يبصر ؟ أفلا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كلّ نفس بما كسبت ؟ ثمّ قال : والله لا تنالين منّي أبداً ! فهو البرهان ». ٢

٤. جلس قتادة المفسّر المعروف بين يدي الإمام الباقر عليه‌السلام وقال له : لقد جلست بين يدي الفقهاء ، وقدّام ابن عبّاس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك. قال له أبو جعفر الباقر عليه‌السلام : « ويحك أتدري أين أنت ؟ أنت بين يدي ( بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ) ٣ فأنت ثمّ ونحن أُولئك » ، فقال له قتادة : صدقت والله ـ جعلني الله فداك ـ ما هي بيوت حجارة ولا طين. ٤

٥. روى جابر بن يزيد الجعفيّ عن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّه سئل عن قوله سبحانه : ( وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ) ٥ فقال : « المقصود دين الله ». ٦ إنّ تفسير « خلق الله » ب‍ « دين الله » ليس

__________________

١. يوسف : ٢٤.

٢. البداية والنهاية : ٩ / ٣١٠.

٣. النور : ٣٦ ـ ٣٧.

٤. الكافي : ٦ / ٢٥٦.

٥. النساء : ١١٩.

٦. تفسير العياشي : ١ / ٢٧٦.

٣٢٦

بأمر غريب ، كيف لا ؟ وقد أسمى سبحانه دين الله فطرة الله ، وقال : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ). ١

٦. إنّ مذهب الإمام في صلاة المسافر هو لزوم التقصير ، لا التخيير بينه وبين الإتمام ، كما عليه أئمّة المذاهب الأُخرى. فسأله بطلان من تلامذته ـ زرارة ومحمد بن مسلم ـ عن معنى قوله سبحانه : ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) ٢ وقالا : كيف صار التقصير في السفر واجباً والله سبحانه يقول : ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ). ولم يقل : افعَلُوا ؟ ( فالإمام فسر الآية بأُختها ) ، فقال : أو ليس قال الله : ( إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) ٣ ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض ، وأنّ الله عزّ وجلّ ذكره في كتابه ، وصنعه نبيّه ، وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبيّ وذكره الله تعالى في كتابه. ٤

٧. اختلفت كلمة الفقهاء في وجوب استيعاب الرأس عند المسح أو كفاية البعض ، فقد سأل زرارة الإمام الباقر عليه‌السلام عن ذلك ، قال : قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : ألا تخبرني من أين علمت ، وقلت ، إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين ؟ فضحك ، فقال : يا زرارة قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونزل به الكتاب من الله عزّوجلّ ، لأنّ الله عزّوجلّ قال : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن

__________________

١. الروم : ٣٠.

٢. النساء : ١٠١.

٣. البقرة : ١٥٨.

٤. تفسير البرهان : ١ / ٤١٠.

٣٢٧

يُغسل ، ثمّ قال : ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ ) فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه ، فعرفنا أنّه ينبغي لهما ، أن يُغسلا إلى المرفقين ، ثمّ فصل بين الكلام فقال : ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) فعرفنا حين قال : ( بِرُءُوسِكُمْ ) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء ، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه ، فقال : ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما ، ثمّ فسّر ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للناس فضيّعوه ... . ١

الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام والتفسير

الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق عليه‌السلام من أبرز أئمّة المسلمين ، ولد في حجر الرسالة ، ونشأ في بيت النبوّة ، وترعرع في ربوع الوحي ، وتربّى بين جدّه زين العابدين ، وأبيه الإمام الباقر عليه‌السلام ولد عام ( ٨٣ ه‍ ) ، واستشهد في خلافة المنصور عام (١٤٨). نشأ في عصر تنازعت فيه الأهواء ، واضطربت فيه الأفكار ، وتلاطمت أمواج الظلم والإرهاب. فبينما كان القوم يتنازعون في الرئاسة ، والتسنّم على عرش الخلافة ، واشتعلت نيران الحرب بين الأمويّين والعباسيّين ، اغتنم عليه‌السلام الفرصة وأعطى للأُمّة دروساً خالدة ، وغذّى تلاميذه بروح العلم والتفكير ، وغرس في قلوبهم بذور المعارف الإلهية ، وشحذ أذهانهم ، وأرهف طباعهم ، فتخرّج من مدرسته أعلام يستضاء بأنوارهم.

وقد نقل المؤرّخون أنّه « نقل الناس عن الصادق عليه‌السلام من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر ذكره في البلدان ، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العلماء ما نقل عنه ، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الأخبار ، ولا نقلوا عنهم مثلما

__________________

١. وسائل الشيعة : ١ / ٢٩٠ ـ ٢٩١ ، الباب ٢٣ من أبواب الوضوء ، الحديث ١.

٣٢٨

نقلوا عن أبي عبد الله ، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات ، على اختلافهم في الآراء والمقالات ، فكانوا أربعة آلاف رجل » ١ وهم بين فقيه بارع ، يفتي الناس في مسجد المدينة ، كأبان بن تغلب ٢ ومفسّر متضلّع ، ومحدّث واعٍ ، إلى غير ذلك ، حفظ التاريخ والرجال أسماءهم وللإمام خطوات واسعة في التفسير ، وآثار خالدة جمعها بعده تلامذته ، وسنشير إليها عند البحث عن مفسري الشيعة في القرون الإسلامية. وإليك نزراً يسيراً من تفسيره ، حتى يكون نموذجاً من الينبوع المتفجّر ، ونمير علمه الصافي :

١. لقد كانت الزنادقة في عصر الصادق عليه‌السلام بصدد التشكيك في العقائد ، وبذر الشُّبه في الأوساط. وممّا كان تلوكه أشداقهم هو ما سأله ابن أبي العوجاء ، هشام بن الحكم فقال له : فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ : ( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) ٣ أليس هذا فرض ؟ قال هشام : بلى. وقال : فأخبرني عن قوله عزّ وجلّ : ( وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ ) ٤ فقال ابن أبي العوجاء أيّ حكيم يتكلّم بهذا ؟

فرحل هشام إلى المدينة ، وقصد دار الإمام الصادق عليه‌السلام ، فقال : « يا هشام في غير وقت حجّ ولا عمرة ؟ » قال : نعم ـ جعلت فداك ـ لأمر أهمّني. إنّ ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة ، لم يكن عندي فيها شيء قال : وما هي ؟ قال : فأخبره بالقصّة ، فقال الإمام : « فأمّا الآية الأُولى فهي في النفقة ، وأمّا الآية الثانية فإنّما

__________________

١. إرشاد المفيد : ٢٨٩ ، طبع إيران.

٢. لاحظ الفهرست لابن النديم : ٣٢٢ ، ط مصر مطبعة الاستقامة ؛ رجال النجاشي : ١ / ٧٣ برقم ٦ ، ط بيروت ، وكلّما ننقله فهو من هذه الطبعة.

٣. النساء : ٣.

٤. النساء : ١٢٩.

٣٢٩

عنت المودّة ، فإنّه لا يقدر واحد أن يعدل بين امرأتين في المودّة ». فقدم هشام بالجواب وأخبره. قال ابن أبي العوجاء : والله ما هذا من عندك. وفي حديث آخر قال : هذا حملته من الحجاز. ١

٢. إنّ قوله سبحانه : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) ٢ ممّا اضطرب فيه كلمات المفسّرين في تبيينها ، وذهب كلّ إلى مذهب ورأي. ولكنّ الإمام الصادق عليه‌السلام فسّرها بوجه واضح ينطبق على ظاهر الآية ، فعندما سأل عبد الله بن سنان عن قول الله عزّوجلّ : ( فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) ٣ ما تلك الفطرة ؟ قال : « هي الإسلام ، فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد ، قال : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) وفيه المؤمن والكافر ». وقد فسّر الإمام آية الذرّ بآية الفطرة ، وبيّن أنّه لم يكن هناك أيُّ كلام عن الاستشهاد والشهادة اللفظيّين.

وجاء في رواية أُخرى رواها أبو بصير قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام كيف أجابوا وهم ذرّ ؟ قال : « جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه ». ٤

وبذلك أعرب الإمام عن مفاد الآية ، وبيّن أنّ الآيتين تهدفان إلى معنى واحد ، وهو أنّ كلّ إنسان في بدء تكوّنه وظهوره ، ينطوي فطريّاً تكوينيّاً على السرّ الإلهي ، أعني : التوحيد ، منذ أن كان موجوداً ذرّياً صغيراً في رحم أُمّه ، وكأنّ أوّل خلية إنسانيّة تستقرّ في رحم الأُمّ تنطوي على هذه الوديعة الإلهيّة ، وهي الشعور الطبيعيّ بالله ، والانجذاب إليه ، وكأنّ جينات الخليّة لدى كلّ إنسان تحمل بين

__________________

١. تفسير البرهان : ١ / ٤٢٠.

٢. الأعراف : ١٧٢.

٣. الروم : ٣٠.

٤. تفسير البرهان : ٢ / ٤٧.

٣٣٠

جوانحها هذه الخاصيّة الروحيّة ، وأنّ هذه الخاصيّة تنمو وتتكامل مع تكامل الخليّة ونموّها.

وبهذا البيان أغنى الإمام الأُمّة عن كثير من الوجوه المذكورة في الآية التي لا تنطبق على ظاهرها ، وأوضح أنّ المفاد هو كون الإنسان مفطوراً على التوحيد.

٣. كانت المرجئة من أخطر الطوائف الإسلاميّة على شباب المسلمين ، حيث ذهبوا إلى أنّ الإيمان قول بلا عمل ، ونيّة بلا فصل ، وأنّه لا يزيد ولا ينقص ، وبذلك أعطوا للعصاة الضوء الأخضر حتى يقترفوا المعاصي الكبيرة ، والآثام الموبقة ، من دون أن يكون لذاك تأثير على إيمانهم. وقد حذّر الإمام في خطبه وكلمه الشيعة من هذه الطائفة ، وقال : « بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة ».

وعند ما سأل أبو عمرو الزبيريّ الإمام الصادق عن الإيمان قائلاً : هل هو عمل أو قول بلا عمل ؟ يجيب الإمام قائلاً : « الإيمان عمل كلّه ، والقول بعد ذلك العمل ». ثمّ عندما يسأله هل الإيمان يتمّ وينقص ويزيد ؟ يقول الإمام : « نعم ». فقال السائل : فما الدليل على أنّه يزيد ؟ فقال : « قول الله عزّوجلّ : ( وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ) ١ وقال سبحانه : ( نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) ٢ فلو كان الإيمان واحداً ، لا زيادة فيه ولا نقصان ، لم يكن لأحدٍ منهم فضل على الآخر ». ٣

__________________

١. التوبة : ١٤٤ ـ ١٤٥.

٢. الكهف : ١٣.

٣. تفسير البرهان : ٢ / ١٧٣ ـ ١٧٥ ، وقد أخذنا موضع الحاجة من الحديث.

٣٣١

٤. روى مسعدة بن صدقة ، قال : قيل لأبي عبد الله عليه‌السلام : إنّ الناس يروون أنّ عليّاً عليه‌السلام قال على منبر الكوفة : أيّها الناس ؛ إنّكم ستُدعَون إلى سبّي ، ثمّ تُدعون إلى البراءة منّي ، فلا تبرّأوا منّي ، فقال الإمام الصادق عليه‌السلام : « ما أكثر ما يكذب الناس على عليّ عليه‌السلام ، ثمّ قال : إنّما قال : إنّكم ستدعون إلى سبّي ، فسبّوني ثمّ تدعون إلى البراءة منّي ، وإنّي لعلى دين محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يقل : ولا تبرّأوا منّي » فقال له السائل : أرأيت إن اختار القتل دون البراءة ؟ قال : « والله ما ذلك عليه ، وما له إلاّ ما مضى عمار بن ياسر ، حيث أكرهه أهل مكّة وقلبه مطمئن بالإيمان ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ، فقال له النبيّ عندها : يا عمّار إن عادوا فعد ، فقد أنزل الله عزّوجلّ عذرك ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) وآمرك أن تعود إن عادوا ». ١

ترى أنّ الإمام يرجع الحديث إلى الآية ، ويقضي بها في حقّه ، وأنّه كيف لا يجوز البراءة مع أنّ عماراً ، حسب الرواية ، وظهور الآية ، تبرّأ من النبيّ ، ولم يكن عليه شيء قال سبحانه : ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ، وأئمّة الشيعة ـ مع شدّة تركيزهم على هذا الموقف ، من إرجاع الأحاديث المشكوكة إلى القرآن ، فما خالف منها القرآن ، يضرب عرض الجدار ـ قاموا بتطبيق هذا المبدأ عمليّاً في غير واحد من الأحاديث التي لا يسع المقام ذكرها.

٥. وقد ورد « الفقراء والمساكين » في آية الصدقات ، وجعلا من الأصناف الثمانية الذين تقسّم الزكاة بينهم. وأمّا الفرق بين الصنفين ، فقد كثر البحث فيها بين الفقهاء تبعاً للمفسّرين ، ولكنّ الإمام الصادق عليه‌السلام يفسّر الفقراء في ضوء ما يمليه الذكر الحكيم ، ويقول في تفسير قوله سبحانه : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ

__________________

١. تفسير البرهان : ٢ / ٣٨٥.

٣٣٢

وَالمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ). ١

« أخرج الله من الصدقات جميع الناس ، إلاّ هذه الثمانية الأصناف الذي سمّاهم ، والفقراء هم الذين لا يسألون الناس ، وعليهم مؤونات من عيالهم ، والدليل على أنّهم لا يسألون قول الله : ( لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ... ) ٢ ، والمساكين هم أهل الزمانة من العميان والعرجان والمجذومين ، وجميع أصناف الزمنى من الرجال والنساء والصبيان ... ». ٣

والإمام ـ كما ترى ـ يفسّر الآية بالآية ، والقرآن بالقرآن ، وكم له من نظير في أحاديثهم عليهم‌السلام ؟ وهذا من أحسن الطرق ، وأتقنها للتفسير ، ولو قام باحث بجمع ما أُثر عنهم في ذاك المجال لجاء بكتاب.

٦. قال الصادق عليه‌السلام : « ما من شيء إلاّ وله حدّ ينتهي إليه ، إلاّ الذكر فليس له منتهى إليه. فرض الله عزّوجلّ الفرائض ، فمن أدّاهنّ فهو حدّهنّ ، وشهر رمضان ، فمن صامه فهو حدّه ، والحجّ فمن حجّ فهو حدّه ، إلاّ الذكر فإنّ الله عزّوجلّ لم يرضَ منه بالقليل ، ولم يجعل له حدّاً ينتهي إليه. قال الله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ). ٤ لم يجعل له حدّاً ينتهي إليه. ٥

__________________

١. التوبة : ٦٠.

٢. البقرة : ٢٧٣.

٣. تفسير البرهان : ٢ / ١٣٤ ، الحديث ٤.

٤. الأحزاب : ٤١.

٥. تفسير نور الثقلين : ٤ / ٢٨٥ ، الحديث ١٤٧.

٣٣٣

والروايات المأثورة عن الإمام الصادق عليه‌السلام في مجال التفسير كثيرة ، لا يحيط بها إلاّ من صرف شطراً كبيراً من عمره في علم المأثور عنهم.

ثمّ إنّ هناك جماعة من غير الشيعة رموا الروايات المرويّة عن الباقر والصادق عليهما‌السلام في مجال التفسير بالطائفية ، وأنّها تخرج الكتاب العزيز عن كونه كتاباً عالمياً ، إلى كتاب طائفيّ ، لا يهمّه إلاّ أهل البيت ، وفي مقدّمتهم الإمام عليّ ابن أبي طالب عليه‌السلام ، وسيوافيك الجواب عن هذا الاعتراض ، وسنثبت هناك أنّ هؤلاء الناقدين لم يفرقوا بين « التفسير » و « التطبيق » وبين « التنزيل » و « التأويل » ، وأنّ لأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام موقفين متغايرين في تبيين الذكر الحكيم. وسيوافيك توضيحه في خاتمة الفصل ، فانتظر.

الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام والتفسير

إنّ الإمام الكاظم عليه‌السلام هو الإمام السابع عند الشيعة ، وقد قام بأمر الإمامة بإيصاء من أبيه الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام وقد روى عنه لفيف من محدّثي الأُمّة وعلمائها ، وروت الشيعة عنه أحاديث كثيرة في المعارف العامّة ، والتفسير والفقه والأخلاق ، وقام الباحث عزيز الله العطاردي بجمع ما أُثر عنه في كتاب مستقلّ أسماه مسند الإمام الكاظم ، وقد طبع ونشر في ثلاثة أجزاء ، وخصّ باباً مفرداً في التفسير ، ذاكراً فيه كلّ ما روي عنه في هذا الصعيد على ترتيب السور ، ونقتطف منه ـ مع الإشارة إلى مصادره ـ قليلاً من كثير ليكون نماذج من تفسيره.

١. روى سليمان الفرّاء عنه عليه‌السلام في تفسير قوله تعالى : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ). قال : الصبر : الصوم ، إذا نزلت بالرجل الشدة أو النازلة فليصم.

٣٣٤

قال : الله تعالى يقول : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ). ١ الصبر : الصوم ». ٢

وهذا تفسير للآية ببعض المصاديق الخفيّة ، وكم له من نظير في تفسير أئمّة أهل البيت.

٢. روى محمد بن الفضل عنه عليه‌السلام في تفسير قوله سبحانه : ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ). ٣ قال : « من اجتنب ما وعد الله عليه النار ، إذا كان مؤمناً كفّر الله عنه سيّئاته ». ٤

٣. روى عمر بن إبراهيم أخو العباسي قال : سألت الإمام الكاظم عليه‌السلام عن قول الله عزّوجلّ : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ). ٥ فقال : « تجدّد لهم النعم مع تجديد المعاصي ». ٦ فما أخصر كلامه وأبلغ معناه ! في تبيين معنى الاستدراج.

٤. روى أحمد بن عمير عن أبي الحسن الإمام الكاظم عليه‌السلام قال : سئل عن قول الله عزّ وجلّ : ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ ). ٧ قال : « إنّ أعمال العباد تعرض على رسول الله كلّ صباح أبرارها ، وفجّارها فاحذروا » ٨ وعلى ذلك فالمراد من « المؤمنون » طبقة خاصّة منهم ، ولا يعم كلّ من يطلق عليه المؤمن ، كما ورد في تفسير الشهداء في رواية الإمام الصادق عليه‌السلام . ٩

__________________

١. البقرة : ٤٥.

٢. تفسير العياشي : ١ / ٤٣.

٣. النساء : ٣١.

٤. تفسير العياشي : ١ / ٢٣٨.

٥. الأعراف : ١٨٢ ـ ١٨٣.

٦. مسند الإمام الكاظم : ٢ / ٢٤ ، نقلاً عن أصل علي بن أسباط المخطوط.

٧. التوبة : ١٠٥.

٨. بصائر الدرجات : ٢٠٤.

٩. لاحظ نور الثقلين : ١ / ١١٣ في تفسير قوله سبحانه : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) ( البقرة : ١٤٣ ).

٣٣٥

هذه نماذج من تفسير الإمام ، فمن أراد التوسّع فليرجع إلى مسند الإمام الكاظم عليه‌السلام .

الإمام علي بن موسى الرضا عليهما‌السلام والتفسير

الإمام الرضا ، عالم الأُمّة وإمامها ، ولد عام ( ١٤٨ ه‍ ) ، وقبض في صفر سنة ( ٢٠٣ ه‍ ) ، وقد انتشر عنه العلم ما لم ينتشر من غيره من الأئمّة سوى الصادق عليهما‌السلام ، وقد أُتيحت له الفرصة ، ولم تعارضه السلطة ، فناظر أحبار اليهود ، وبطارقة النصارى ، والمجسّمة ، والمشبّهة من أصحاب الحديث ، فظهر برهانه ، وعلا شأنه. يقول كمال الدين بن طلحة في حقّه : نما إيمانه ، وعلا شأنه ، وارتفع مكانه ، وظهر برهانه ... فمهما عدّ من مزاياه كان عليه‌السلام أعظم منه ، ومهما فصّل من مناقبه كان أعلى رتبة منه. ١

كان عليه‌السلام يعيش في عصر تفتّحت فيه العقول ، وانتشرت بذور الشكّ والضلال بين المسلمين عن طريق احتكاك الثقافتين الإسلاميّة والأجنبيّة ، وانتشار تراجم الكتب اليونانيّة والهنديّة والفارسيّة ، وكان جبلاً صامداً في وجه الآراء الساقطة المضادة للكتاب والسنّة ، وسيوافيك بعضها :

١. روى صفوان بن يحيى قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن قول الله عزّ وجلّ لإبراهيم : ( أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ٢ أكان في قلبه شك ؟ قال : « لا ، كان على يقين ، ولكنّه أراد من الله الزيادة في يقينه ». ٣

٢. روى ابن الفضيل عن الرضا عليه‌السلام قال : سألته عن قول الله : ( إِذَا حَضَرَ

__________________

١. مطالب السؤول : ٨٥.

٢. البقرة : ٢٦٠.

٣. المحاسن : ٢٤٧.

٣٣٦

أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ). ١ قال : « اللّذان منكم مسلمان ، واللّذان من غيركم من أهل الكتاب ، فإن لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس ، لأنّ رسول الله ، قال : سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب ، وذلك إذا مات الرجل المسلم بأرض غربة فطلب رجلين مسلمين يشهدهما على وصيّته ، فلم يجد مسلمين يشهدهما فرجلين من أهل الكتاب مرضيّين عند أصحابهما ». ٢

قد شاع الجبر والقدر في عصر الإمام الرضا عليه‌السلام ، فمن قائل بالجبر السالب للاختيار الجاعل الإنسان مكتوف الأيدي أمام الميول والاحاسيس ، ومن قائل بالتفويض يصوّر الإنسان خالقاً ثانياً لأعماله ، غير أنّ « شبهة الجبر » كانت أرسخ في النفوس من « شبهة التفويض » ، فهلمّ معي نرى كيف يفسر الآيات التي جعلت ذريعة إلى الجبر عند الحشوية.

٣. روى إبراهيم بن أبي محمود قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن قول الله تعالى : ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ) ٣ فقال : « إنّ الله تعالى وتبارك لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه ، ولكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والضلال ، منعهم المعاونة واللطف وخلّى بينهم وبين اختيارهم ». قال وسألته عن قول الله عزّوجلّ : ( خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) ٤ قال : « الختم هو الطبع على قلوب الكفّار عقوبة على كفرهم ، كما قال عزّوجلّ : ( بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) » ٥. ٦ ترى أنّه عليه‌السلام

__________________

١. المائدة : ١٠٦.

٢. تفسير العياشي : ١ / ٣٤٩ بتلخيص.

٣. البقرة : ١٧.

٤. البقرة : ٧.

٥. النساء : ١٥٥.

٦. عيون أخبار الرضا : ١ / ٤٢٤.

٣٣٧

يفسّر الآية بالآية ويجتث شبهة الجبر ببيان أنّ الطبع على القلوب كان عقوبة من الله في حقّهم لجرائم اقترفوها ، ولم يكن الطبع ابتدائياً بلا مبرر ، إذ كيف يطلب منهم الإيمان ثمّ يطبع على قلوبهم ابتداء ، أو ليس يصف نفسه بقوله : ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ ) ١. ٢

٤. روى أبو ذكوان ، قال : سمعت إبراهيم بن العباس يقول : كنّا في مجلس الرضا عليه‌السلام فتذاكروا الكبائر وقول المعتزلة فيها : إنّها لا تغفر ( إذا مات صاحبها بلا توبة ) ، فقال الرضا عليه‌السلام : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : « قد نزل القرآن بخلاف قول المعتزلة ، قال الله عزّوجلّ : ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ) ٣. ٤

وجه الاستدلال أنّ قوله : ( عَلَى ظُلْمِهِمْ ) حال من قوله : ( لِّلنَّاسِ ) ، ومعنى الآية : أنّ غفران الله شامل لهم في حال كونهم ظالمين ، والآية نظير قول القائل : « أودّ فلاناً على غدره وأصله على هجره » ، فمن مات بلا توبة عن كبيرة فلا يحلّ لنا الحكم بأنّه لا يغفره ، لأنّ رحمة الله تشمل الناس في حال كونهم تائبين أو ظالمين. نعم ليس للمقترف الاعتماد على هذه الآية ، لأنّه وعدٌ مجمل كالشفاعة.

٥. وروى الحسين بن بشار ، قال : سألت علي بن موسى الرضا عليه‌السلام أيعلم الله الشيء الذي لا يكون أن لو كان كيف كان ؟ قال : « إنّ الله هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء ، وقال لأهل النار : ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ). ٥

وقال للملائكة لما قالت : ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ) ، قال : ( إِنِّي أَعْلَمُ

__________________

١. فصّلت : ٤٦.

٢. لاحظ ذيل الحديث.

٣. الرعد : ٦.

٤. التوحيد : ٤٠٦ ، ولاحظ مجمع البيان : ٣ / ٢٧٨.

٥. الأنعام : ٢٨.

٣٣٨

مَا لا تَعْلَمُونَ ) ١ فلم يزل الله عزّوجلّ علمه سابقاً للأشياء قديماً قبل أن يخلقها ». ٢

٦. روى الحسين بن خالد ، عن الرضا عليه‌السلام قلت له : أخبرنا عن قول الله : ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُكِ ) ، قال : « هي محبوكة إلى الأرض ، مشبكة بين أصابعه » ، فقلت : كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله يقول : ( رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) ؟ فقال : « سبحان الله أليس يقول : ( بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) ؟ » قلت : بلى ، قال : « فثمّ عمد ، لكن لا ترونها ». ٣

والإمام يصرّح في كلامه هذا بوجود عمدٍ في السماء غير مرئية ، ولعلّه يريد قانون الجاذبيّة العامّة التي كشف عنها العلم ، والتفصيل موكول إلى محلّه.

٧. قد شاع في عصر الإمام الاعتقاد بالرؤية التي دخلت في أوساط المسلمين من طريق الأحبار والرهبان ، واغترّ بها أكثر المحدّثين البسطاء ، وربّما كانوا يستدلّون عليها بما ورد في معراج النبيّ ، وأنّه وصل في معراجه إلى مكان لم يبق بينه وبين ربّه سوى قاب قوسين أو أدنى ، قائلاً : بأنّ المراد من قوله : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) أي دنا من الله ومقامه الكائن فيه ، ولكنّ الرضا عليه‌السلام يواجه هذه الفكرة بالنقد الحاسم ، والردّ العنيف ، وإليك القصة : دخل أبو قرّة المحدّث على أبي الحسن الرضا فقال : إنّا روينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيّين ، فقسم الكلام لموسى ولمحمّد الرؤية ؟! فقال أبو الحسن عليه‌السلام : « فمن المبلّغ عن الله إلى الثقلين من الجن والإنس ، ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) و ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) و ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ثمّ أليس محمّد ؟ » قال : بلى. قال : « كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله وانّه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول : ( لاَّ

__________________

١. البقرة : ٣٠.

٢. عيون أخبار الرضا : ١ / ١١٨.

٣. تفسير علي بن إبراهيم : ٦٤٦.

٣٣٩

تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) و ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) و ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ثمّ يقول : انا رأيته بعيني ، وأحطت به علماً ، وهو على صورة البشر ؟! أما تستحيون ؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا ، أن يكون يأتي من عند الله بشيء ، ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر ». قال أبو قرّة : فانّه يقول : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) فقال أبو الحسن عليه‌السلام : « إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) يقول : ما كذب فؤاده ما رأت عيناه ، ثمّ أخبر بما رأى ، فقال : لقد رأى من آيات ربّه الكبرى ، فآيات الله غير الله ، وقد قال : ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) ، فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة » ، فقال أبو قرّة : فتكذب بالروايات ؟ فقال أبو الحسن : « إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها ، وما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علماً ، ولا تدركه الأبصار ، وليس كمثله شيء ». ١

الإمام محمد الجواد عليه‌السلام والتفسير

الإمام أبو جعفر محمد الجواد من أئمّة أهل البيت ، وهو تاسع الأئمّة عند الشيعة ، ولد عام ( ١٩٥ ه‍ ) ٢ ورث الشرف من آبائه وأجداده ، واستسقت عروقه من منبع النبوّة ، ورضعت شجرته ثدي الرسالة ، وتهدّلت أغصانه ثمر الإمامة. قام بأمر الولاية ، بعد شهادة والده الرضا عليه‌السلام عام ( ٢٠٣ ه‍ ) ، واستشهد هو مثل الوالد ببغداد عام ( ٢٢٠ ه‍ ) أدرك خلافة المأمون ، وأوائل خلافة المعتصم. روى عنه لفيف من المحدّثين والفقهاء ، يربو عددهم على (١٢١) ٣ ، وروى عنه في مجال

__________________

١. تفسير البرهان : ٤ / ٢٤٨.

٢. تاريخ بغداد : ٣ / ٥٥ ؛ وابن خلكان في وفيات الأعيان : ٣ / ٣١٥.

٣. مسند الإمام محمد الجواد العطاردي ، وقد خصّ باباً للرواة عن الإمام عليه‌السلام.

٣٤٠