مفاهيم القرآن - ج ١٠

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١٠

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٢
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤٥٩

الفقه ، والدعاء ، والتفسير روايات وافرة نذكر نماذج ممّا روي عنه في مجال التفسير.

١. روي العياشي ، قال : رجع ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم ، وهو يروي هذه القصّة :

إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة ، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه ، فسأل الفقهاء عن موضع القطع ، فمن قائل : يجب قطعه من الكرسوع ، لأنّ اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع لقوله تعالى : ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ) ١ إلى آخر يقول : يجب القطع من المرفق ، لأنّ الله قال : ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ ) ٢ فدلّ على أنّ حدّ اليد هو المرفق ، ولمّا رأى المعتصم اختلافهم التفت إلى « محمد بن علي » فقال : ما تقول في هذا يا أبا جعفر ؟ فقال : « قد تكلّم القوم فيه ». قال : دعني ممّا تكلّموا به. أي شيء عندك ؟ قال : « أعفني عن هذا ، يا أمير المؤمنين ! » قال : أقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك فيه. فقال : « أمّا إذا أقسمت عليّ بالله إنّي أقول : إنّهم أخطأوا فيه السنّة ، فانّ القطع يجب أن يكون من مفصل أُصول الأصابع ، فيترك الكفّ ». قال : وما الحجّة في ذلك ؟ قال : « قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : السجود على سبعة أعضاء : الوجه ، واليدين ، والركبتين ، والرجلين ، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق ، لم يبق له يد يسجد عليها ، وقال تعالى : ( وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ ) يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا ) ٣ وما كان لله لم يقطع ». فأعجب المعتصم ذلك ، وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف ، قال ابن أبي داود : قامت قيامتي وتمنّيت أنّي لم أك حياً. ٤

__________________

١ و ٢. المائدة : ٦.

٣. الجن : ١٨.

٤. تفسير العياشي : ١ / ٣١٩ ـ ٣٢٠.

٣٤١

وقد نقل ما ذكره الإمام ، عن سعيد بن جبير ، والفرّاء ، والزجّاج ، وأنّ المراد من المساجد الأعضاء السبعة التي يسجد عليها في الصلاة ، وعلى هذا فالمراد أنّ مواقع السجود من الإنسان لله ، اختصاصاً تشريعيّاً ، والمراد من الدعاء السجدة لكونها أظهر مصاديق العبادة ، أو المراد الصلاة بما أنّها تتضمّن السجود لله. ١

وروى حماد بن عيسى ، عن الإمام الصادق عليه‌السلام في حديث : وسجد الإمام على ثمانية أعظم : الكفين ، والركبتين ، وإبهامي الرجلين ، والجبهة والأنف ، وقال : « سبعة منها فرض يسجد عليها ، وهي التي ذكرها الله في كتابه فقال : ( وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا ) ، وهي : الجبهة ، والكفّان ، والركبتان ، والإبهامان ، ووضع الأنف على الأرض سنّة ». ٢

٢. عن محمد بن سعيد الأزدي صاحب موسي بن محمدالرضا عن موسى قال لأخيه كتب يحيى بن أكثم المروزي إليه يسأله عن مسائل ، وقال : أخبرني عن قول الله : ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ) أسجد يعقوب وولده ليوسف ؟ قال : « فسألت أخي عن ذلك ، فقال : أمّا سجود يعقوب وولده ليوسف فشكراً لله ، لاجتماع شملهم ، ألا ترى أنّه يقول في شكر ذلك الوقت : ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ) ». ٣

٣. سأل عبد العظيم بن عبد الله الحسني محمد بن علي الرضا عليه‌السلام عن قول الله عزّوجلّ : ( أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ) ٤ فقال : « يقول الله عزّوجلّ : بعداً لك من خير الدنيا بعداً ، وبعداً لك من خير الآخرة ». ٥

__________________

١. الميزان : ٢٠ / ١٢٥.

٢. تفسير البرهان : ٤ / ٣٩٤.

٣. تفسير العياشي : ٢ / ١٩٧.

٤. القيامة : ٣٤ ـ ٣٥.

٥. عيون أخبار الرضا : ٢ / ٥٤.

٣٤٢

لا ريب أنّها كلمة تهديد كرّرت لتأكيد التهديد ، وقد جاء قبل الآية قوله : ( فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّىٰ * وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ ). ١

فاللائق بهذا الإنسان الذي لم يصدق ولم يصل ، ولكن كذب وتولى ، ثمّ ذهب إلى أهله يتمطّى متبختراً مختالاً ، هو البعد عن غفران الله سبحانه ورحمته ، وخيره في الدنيا والآخرة ، ونظير الآية قوله سبحانه : ( رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ ) ٢ ، أي هذه الحالة أولى لكم لتذوقوا وبال أمركم في الدنيا والآخرة ، وفي مورد الآية المعنى الابتدائي ، هو أنّ هذه الحالة أولى له ، لأنّه لا يستحق إلاّ إيّاها ليذوق وبال أمره وليبتعد من خير الدنيا والآخرة ، ففسّر الآية بما هو المقصود من كون هذه الحالة أولى له.

٤. روى علي بن أسباط ، قال : قلت لأبي جعفر محمد الجواد : يا سيدي إنّ الناس ينكرون عليك حداثة سنّك ( ونيلك مقام الإمامة والقيادة الروحية ) ، قال : « وما ينكرون من ذلك. فو الله لقد قال الله لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ... ) ٣ وما أتبعه غير علي ، وكان ابن تسع سنين وأنا ابن تسع سنين ».

والآية مكّية تنطبق على ما يذكره الإمام حيث إنّ الأوّل من آمن بمحمّد من الرجال هو عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام .

هذه نماذج ممّا روي عن الإمام التاسع محمد الجواد عليه‌السلام في مجال التفسير ، ومن أراد التوسّع فليرجع إلى مسنده وسائر الكتب الحديثيّة التي تضمّنت أخباره عليه‌السلام .

__________________

١. القيامة : ٣١ ـ ٣٣.

٢. محمّد : ٢٠.

٣. يوسف : ١٠٨.

٣٤٣

الإمام علي الهادي عليه‌السلام والتفسير

الإمام علي الهادي عليه‌السلام ، الإمام العاشر ، والنور الزاهر ، ولد عام ( ٢١٢ ه‍ ) وتوفي بسامراء سنة ( ٢٥٤ ه‍ ) وهو من بيت الرسالة ، والإمامة ، ومقر الوصاية ، والخلافة ، وثمرة من شجرة الرسالة ، قام بأمر الإمامة بعد والده الإمام الجواد ، وكان في سني إمامته ، بقية ملك المعتصم ثمّ الواثق والمتوكّل والمنتصر والمستعين والمعتزّ ، وله مع هؤلاء قضايا ليس المقام يسع ذكر البعض ، وقد روت الشيعة عنه أحاديث في مجال الفقه والتفسير ، وإليك نماذج ممّا روي عنه في الأخير :

١. قُدِّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحدّ ، فأسلم فقال يحيى بن أكثم : الإيمان يمحو ما قبله ، وقال بعضهم : يضرب ثلاثة حدود ، فكتب المتوكّل إلى الإمام الهادي يسأله ، فلمّا قرأ الكتاب ، كتب : « يضرب حتى يموت » ، فأنكر الفقهاء ذلك ، فكتب إليه يسأله عن العلّة ، فكتب : بسم الله الرّحمن الرّحيم ( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) ١ فأمر به المتوكّل فضرب حتى مات. ٢

إنّ الإمام الهادي عليه‌السلام ببيانه هذا شقّ طريقاً خاصّاً لاستنباط الأحكام من الذكر الحكيم ، طريقاً لم يكن يحلم به فقهاء عصره ، وكانوا يزعمون أنّ مصادر الأحكام الشرعيّة هي الآيات الواضحة في مجال الفقه التي لا تتجاوز ثلاثمائة آية ، وبذلك أبان للقرآن وجهاً خاصاً لا يلتفت إليه إلاّ من نزل القرآن في بيته ، وليس

__________________

١. غافر : ٨٤ ـ ٨٥.

٢. مناقب آل أبي طالب : ٤ / ٤٠٥.

٣٤٤

هذا الحديث غريباً في مورده ، بل له نظائر في كلمات الإمام وغيره من آبائه وأبنائه عليهم‌السلام.

٢. لما سمّ المتوكّل نذر لله إن رزقه الله العافية أن يتصدّق بمال كثير ، أو بدراهم كثيرة ، فلمّا عوفي اختلف الفقهاء في مفهوم « المال الكثير » ، فلم يجد المتوكّل عندهم فرجاً ، فبعث إلى الإمام علي الهادي عليه‌السلام فسأله ، قال : « يتصدّق بثلاثة وثمانين ديناراً » ، فقال المتوكّل ، من أين لك هذا ؟ فقال : من قوله تعالى : ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ... ) ١ والمواطن الكثيرة : هي هذه الجملة ، وذلك لأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غزا سبعاً وعشرين غزاة ، وبعث خمساً وخمسين سرّية ، وآخر غزواته يوم حنين » ، وعجب المتوكّل والفقهاء من هذا الجواب. ٢ وقد ورد عن طريق آخر أنّه قال : بثمانين مكان « ثلاثة وثمانين » ، وذلك لأنّ عدد المواطن التي نصر الله المسلمين فيها إلى يوم نزول هذه الآية كان أقلّ من ثلاثة وثمانين. ٣

٣. إنّ للإمام الهادي عليه‌السلام رسالة في الردّ على الجبر والتفويض ، وإثبات المنزلة بين المنزلتين ، فقد استعان في إبطال المذهبين الذين كان يدين بهما أهل الحديث ، والمعتزلة بكثير من الآيات على شكل بديع ، ولأجل إيقاف القارئ على نماذج من إحاطته بالآيات ونضدها بشكل يوصل الجميع إلى الغاية المطلوبة ، نقتبس منها ما يلي :

فأمّا الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ ، فهو قول من زعم أنّ الله ـ جلّ وعزّ ـ أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها ، ومن قال بهذا القول ، فقد ظلم الله في حكمه وكذّبه ورّد عليه قوله : ( ... وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) ٤ وقوله : ( إِنَّ اللهَ لا

__________________

١. التوبة : ٢٥.

٢. تذكرة الخواص : ٢٠٢.

٣. مناقب آل أبي طالب : ٤ / ٤٠٢.

٤. الكهف : ٤٩.

٣٤٥

يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ). ١

فمن دان بالجبر ، أو بما يدعو إلى الجبر فقد ظلم الله ونسبه إلى الجور والعدوان ، إذ أوجب على من أجبره العقوبة ، ومن زعم أنّ الله أجبر العباد ، فقد أوجب على قياس قوله : إنّ الله يدفع عنهم العقوبة ( أي لازم القول بالجبر أنّ الله لا يعذّب العصاة ، لأنّه دفعهم إلى المعاصي ) ، ومن زعم أنّ الله يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذب الله في وعيده ، حيث يقول : ( بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ). ٢

وقوله : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) ٣ وقوله : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ) ٤ ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا الفن ممّن كذب وعيد الله ويلزمه في تكذيبه آية من كتاب الله ، الكفر ، وهو ممّن قال الله [ في حقّه ] : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ). ٥

بل نقول إنّ الله عزّوجلّ يجازي العباد على أعمالهم ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملّكهم إيّاها ، فأمرهم ونهاهم بذلك ونطق كتابه : ( مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) ٦. وقال جلّ ذكره : ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا

__________________

١. يونس : ٤٤.

٢. البقرة : ٨١.

٣. النساء : ١٠.

٤. النساء : ٥٦.

٥. البقرة : ٨٥.

٦. الأنعام : ١٦٠.

٣٤٦

عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ) ١ وقال : ( الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) ٢ فهذه آيات محكمات تنفي الجبر ، ومثلها في القرآن كثير. ثمّ شرع في إبطال التفويض وأبان خطأ من دان به وتقلده.

ولنقتصر على هذا المقدار ، وفيه كفاية ، وما جاء في هذه الرواية من التفسير نمط بديع ، وهو ما نسمّيه اليوم بالتفسير الموضوعي ، وقد أتى الإمام عليه‌السلام في رسالته بأكثر الآيات التي ربّما تقع ذريعة للمجبّرة والمفوّضة ، وأبان تفسيرهما بإرجاع المتشابهات إلى المحكمات ، كما أثبت أنّ الحقيقة هو المنزلة بين الجبر والتفويض ، فمن أراد التوسّع فليرجع إلى نفس الرسالة التي نقلها الحسن بن شعبة الحرّاني في كتابه. ٣

الإمام العسكري عليه‌السلام والتفسير

أبو محمّد الحسن بن علي أحد أئمّة أهل البيت ، والإمام الحادي عشر عند الشيعة الملقّب بالعسكري ، ولد عام ( ٢٣٢ ه‍ ). ٤ وقال الخطيب في تاريخه وابن الجوزي في كتابه : ولد أبو محمد في المدينة سنة ( ٢٣١ ه‍ ) ٥ وأشخص بشخوص والده إلى العراق سنة (٢٣٦) وله من العمر أربع سنين وعدّة شهور ، وقام بأمر الإمامة والقيادة الروحية بعد شهادة والده ، وقد اجتمعت فيه خصال الفضل ، وبرز

__________________

١. آل عمران : ٣٠.

٢. غافر : ١٧.

٣. تحف العقول : ٣٣٨ ـ ٣٥٢.

٤. الكافي : ١ / ٥٠٣.

٥. تاريخ بغداد : ٧ / ٣٣٦ ؛ تذكرة الخواص : ٣٦٢.

٣٤٧

تقدّمه على كافة أهل العصر ، واشتهر بكمال العقل والعلم والزهد والشجاعة. روى عنه لفيف من الفقهاء والمحدثين ما يربو على (١٥٠) شخصاً ، وقد أدرج « العطاردي » أسماءهم في مسند الإمام العسكري وتوفّي عام ( ٢٦٠ ه‍ ) ، ودفن في داره التي دفن فيها أبوه بسامراء ، وللإمام روايات تلقّاها الرواة في مجال العقائد والفقه والتفسير ، نذكر نزراً يسيراً لتعلم مكانته في التفسير :

١. لقد شغلت الحروف المقطّعة بال المفسرين فضربوا يميناً ويساراً ، وقد أنهى الرازي أقوالهم فيها في أوائل تفسيره الكبير إلى قرابة عشرين قولاً ، ولكن الإمام عليه‌السلام يعالج تلك المعضلة بأحسن الوجوه وأقربها للطبع ، فقال : كذبت قريش واليهود بالقرآن ، وقالوا سحر مبين تقوّله.

فقال الله : ( الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ ). [ فقل : ] يا محمّد ، هذا الكتاب الذي نزّلناه عليك هو الحروف المقطّعة التي منها « الف » ، « لام » ، « ميم » ، وهو بلغتكم وحروف هجائكم فأتوا بمثله إن كنتم صادقين ، واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم ، ثمّ بيّن انّهم لا يقدرون عليه بقوله : ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) ١. ٢ وقد روي هذا المعنى عن أبيه الإمام الهادي عليه‌السلام . ٣

٢. كان أهل الشغب والجدل يلقون حبال الشكّ في طريق المسلمين فيقولون : إنّكم تقولون في صلواتكم : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ ) ، أو لستم فيه ؟ فما معنى هذه الدعوة ؟ أو أنّكم متنكّبون عنه فتدعون ليهديكم إليه؟ ففسّر الإمام

__________________

١. الإسراء : ٨٨.

٢. معاني الأخبار : ٢٤ ، وللحديث ذيل فمن أراد فليرجع إلى الكتاب.

٣. الكافي : ١ / ٢٤ ـ ٢٥ ، كتاب العقل والجهل ، الحديث ٢٠.

٣٤٨

الآية قاطعاً لشغبهم فقال : « ادم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ماضي أيّامنا حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمالنا ».

ثمّ فسّر الصراط بقوله : « الصراط المستقيم هو صراطان : صراط في الدنيا ، وصراط في الآخرة. أمّا الأوّل : فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير ، واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل. وأمّا الطريق الآخر : فهو طريق المؤمنين إلى الجنّة الذي هو مستقيم ، لايعدلون عن الجنّة إلى النار ولا إلى غير النار سوى الجنة ». ١

وقد استفحل أمر الغلاة في عصر الإمام العسكري ، ونسبوا إلى الأئمّة الهداة أُموراً هم عنها براء ، ولأجل ذلك يركز الإمام على أنّ الصراط المستقيم لكلّ مسلم هو التجنّب عن الغلوّ والتقصير.

٣. ربّما يغترّ الغافل بظاهر قوله سبحانه : ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ... ) ويتصوّر أنّ المراد من النعمة هو المال والأولاد وصحّة البدن ، وإن كان كلّ هذا نعمة من الله ، ولكنّ المراد من الآية بقرينة قوله : ( غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) هو نعمة التوفيق والهداية.

ولأجل ذلك نرى أنّ الإمام يفسّر الأنعام بقوله : « قولوا : إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك وهم الذين قال الله عزّوجلّ : ( وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ) ، ثمّ قال : ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال وصحّة البدن ، وإن كان كلّ هذا نعمة من الله ظاهرة ». ٢

٤. لقد تفشت فكرة عدم علمه سبحانه بالأشياء قبل أن تُخلق استلهاماً من

__________________

١. معاني الأخبار : ٣٣.

٢. معاني الأخبار : ٣٦.

٣٤٩

بعض المدارس الفكرية الفلسفيّة الموروثة من اليونان ، فسأله محمّد بن صالح عن قول الله : ( يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) ١ فقال : هل يمحو إلاّ ما كان ، وهل يثبت إلاّ ما لم يكن ؟ فقلت في نفسي : هذا خلاف ما يقوله هشام الفوطي. انّه لا يعلم الشيء حتى يكون ، فنظر إليّ شَزَراً ، وقال : « تعالى الله الجبّار العالم بالشيء قبل كونه ، الخالق إذ لا مخلوق ، والربّ إذ لا مربوب ، والقادر قبل المقدور عليه. ٢

حصيلة البحث

هؤلاء هم أئمّة الشيعة وقادتهم ، بل أئمّة المسلمين جميعاً ، وكيف لا يكونون كذلك ، وقد ترك رسول الله بعد رحلته الثقلين وحثّ الأُمّة على التمسّك بهما ، وقال : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ». ٣

ولكن المؤسف أنّ أهل السنّة والجماعة لم يعتمدوا في تفسير كتاب الله العزيز على أقوال أهل البيت ، وهم قرناء القرآن وأعداله والثقل الآخر من الثقلين ، وإنّما استعانوا في تفسيره بأُناس لا يبلغون شأوهم ولا يشقّون غبارهم ، نظراء : مجاهد بن جبر ( المتوفّى ١٠٤ ه‍ ) وعكرمة البربري ( المتوفّى ١٠٤ ه‍ ) وطاووس بن كيسان اليماني ( المتوفّى ١٠٦ ه‍ ) وعطاء بن أبي رباح ( المتوفّى ١١٤ ه‍ ) ومحمد بن كعب القرظي ( المتوفّى ١١٨ ه‍ ) ، إلى غير ذلك من أُناس لا يبلغون في الوثاقة والمكانة

__________________

١. الرعد : ٣٩.

٢. إثبات الوصية : ٢٤١.

٣. رواه غير واحد من أصحاب الصحاح والمسانيد وهو من الأحاديث المتواترة ، ( لاحظ نشرة دار التقريب بين المذاهب الإسلامية. حول هذا الحديث ، ترى اسنادها موصولة إلى النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ).

٣٥٠

العلمية معشار ما عليه أئمّة أهل البيت صلوات الله عليهم ....

وقد بلغت إحاطة أئمّة أهل البيت بالكتاب العزيز إلى حدّ يقول الإمام الباقر عليه‌السلام : « إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلى يوم القيامة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله ، وجعل لكلّ شيء حداً وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه ». ١ ويقول الإمام الصادق عليه‌السلام : « ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله عزّوجلّ ولكنّ لا تبلغه عقول الرجال ». ٢

أسنادهم موصولة إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

إنّ أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام لا يروون في مجال الفقه والتفسير والأخلاق والدعاء ، إلاّ ما وصل إليهم عن النبيّ الأكرم عن طريق آبائهم وأجدادهم ، وليس مرويّاتهم آراءهم الشخصيّة التي تنبع من عقليّتهم ، فمن قال بذلك وتصوّرهم مجتهدين مستنبطين ، فقد قاسهم بالآخرين ممّن يعتمدون على آرائهم الشخصيّة ، وهو في قياسه خاطئ فهم منذ نعومة أظفارهم إلى أن لبّوا دعوة ربّهم لم يختلفوا إلى أندية الدروس ، ولم يحضروا مجلس أحد من العلماء ، ولا تعلّموا شيئاً من غير آبائهم ، فما يذكرونه علوم ورثوها من رسول الله وراثة غيبيّة لا يعلم كنهه إلاّ الله سبحانه والراسخون في العلم.

وهذا جابر الجعفي ، قال : قلت لأبي جعفر الباقر عليه‌السلام : إذا حدثتني بحديث فاسنده لي ، فقال : « حدّثني أبي عن جدّي ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن جبرئيل عن الله تبارك وتعالى فكلّ ما أُحدثك بهذا الاسناد ، ثمّ قال : « لحديث واحد

__________________

١. الكافي : ١ / ٤٨ من كتاب فضل الأئمة.

٢. المصدر نفسه.

٣٥١

تأخذه من صادق عن صادق خير لك من الدنيا وما فيها ». ١

وروى حفص بن البختري. قال : قلت لأبي عبد الله الصادق عليه‌السلام أسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من أبيك ؟ فقال : « ما سمعته منّي فاروه عن أبي ، وما سمعته منّي فاروه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ». ٢

فأئمّة المسلمين على حدّ قول القائل :

ووال أُناسا نقلهم وحديثهم

روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري

ولقد عاتب الإمام الباقر عليه‌السلام سلمة بن كهيل والحكم بن عيينة حيث كانا يتعاطيان الحديث من الناس ، ولا يهتمّان بأحاديث أهل البيت ، فقال لهما : « شرّقا وغرّبا ، فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت ».

تلك ـ والله ـ خسارة فادحة ، حيث إنّ جماعة من المحدّثين والفقهاء والمفسّرين دقّوا كلّ باب ولم يدقّوا باب أهل البيت إلاّ شيئاً لا يذكر ففسّروا كتاب الله بآرائهم وأفتوا في المسائل الشرعية بالمقاييس الظنية التي ليس عليها مسحة من الحقّ ، ولا لمسة من الصدق حتى حشوا تفاسيرهم بإسرائيليّات ومسيحيّات بثّها مسلمة أهل الكتاب ككعب الأحبار ووهب بن منبه وتميم الداري وأضرابهم بين المسلمين ، وأخذها عنهم المحدّثون والرواة والمفسّرون في القرون الأُولى ، زاعمين أنّها علوم ناجعة وقضايا صادقة ، فيها شفاء العليل ، ورواء الغليل والحال أنّك إذ فتّشت التفاسير المؤلّفة في القرون الغابرة لا تجد تفسيراً علمياً أو روائياً من أهل السنّة إلاّ وهو طافح بآرائهم الشخصية وأقوالهم التي لا قيمة لها في سوق العلم ، وقد استفحل أمر هؤلاء الرواة حتى اغترّ بهم بعض المفسّرين من الشيعة ، فذكروا

__________________

١. وسائل الشيعة : ١٨ ، الباب٨ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦٧.

٢. المصدر نفسه ، الحديث ٨٦.

٣٥٢

جملة من الإسرائيليات في ثنايا تفاسيرهم ، وما ذلك إلاّ لأنّ تلك الأفكار كانت رائجة إلى حدّ كان يعدّ الجهل بها ، وعدم نقلها قصوراً في التفسير وقلّة اطلاع فيه ، ولأجل ذلك لم يجد شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي بداً من نقل آراء هؤلاء في تفسيره « التبيان » ، وتبعه أمين الإسلام في تفسير « مجمع البيان » ، ولكن لم يكن ذكرهم لآراء هؤلاء لأجل الاعتماد عليهم والركون إليهم ، وإنّما ألجأتهم إليه الضرورة الزمنيّة والسياسة العلمية السائدة على الأوساط آنذاك.

إذا وقفت على أئمّة التفسير وأساتذته ، فهلمّ معي ندرس حياة شيعتهم ممّن خدموا القرآن في عصرهم ، وبعدهم وهم الذين تربّوا في حجورهم ، وارتووا من نمير علمهم الصافي ، وتمسّكوا بأهداب معارفهم ، وقد خدموا القرآن بمختلف أشكال الخدمة ، نشير إليها على وجه الإجمال ، ونحيل التفصيل إلى آونة أُخرى.

١. الشيعة وتفسير غريب القرآن

ارتحل النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعكف المسلمون على دراسة القرآن ، ولكن أوّل ما فوجئوا به كان هو قصور باع لفيف منهم عن معرفة معاني بعض ألفاظه ، فما هذا إلاّ لأنّ في القرآن ما قد ورد بغير لغة أهل الحجاز. انّ القرآن وإن نزل بلغة أهل الحجاز بشكل عام ، لكن ربّما وردت فيه ألفاظ ذائعة بين القبائل الأُخرى ، وقد عقد السيوطي باباً فيما ورد في القرآن بغير لغة أهل الحجاز ١ ، وأظنّ أنّه قد أفرط في هذا الباب ، ولكنّه لا يمكن إنكار هذا الأصل في القرآن الكريم من أساسه ، وممّا يشهد بذلك ( مفاجأة المسلمين بغريب القرآن ) ما رواه القرطبي في تفسيره فقال :

__________________

١. الإتقان : ٢ / ٦٩ ـ ١٠٤.

٣٥٣

عن عمر أنّه قال على المنبر : ما تقولون في قوله تعالى : (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ)١ فسكتوا ، فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا. التخوّف : التنقص ، قال : فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال : نعم. قال : شاعرنا ـ زهير ـ أبو كبير الهذلي يصف ناقة تنقّص السير سنامها بعد تمكِه واكتنازه :

تَخَوَّفَ الرحلُ مِنها تامكاً قَرداً

كَما تخوّفَ عُود النبعة السفن ٢

فقال عمر : أيّها الناس عليكم بديوانكم لا يضلّ ، قالوا : وما ديواننا ؟ قال : شعر الجاهلية ، فانّ فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم.

روى أبو الصلت الثقفي أنّ عمر بن الخطاب : قرأ قول الله : ( وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ) ٣ بنصب الراء وقرأها بعض من عنده من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخفض الراء ، فقال : أبغوني رجلاً من كنانة ، واجعلوه راعياً وليكن مدلجياً ، فأتوه به ، فقال له عمر : يا فتى ! ما الحرجة فيكم ؟ فقال : الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار الّتي لا تصل إليها راعية ولا وحشيّة ولا شيء ، فقال عمر : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. ٤

روى عبد الله بن عمر قال : قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية : ( مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ، ثمّ قال : ادعوا لي رجلاً من بني مدلج ، قال عمر : ما الحرج فيكم ؟ قال : الضيق. ٥

وكم لهذه القصص من نظائر في التاريخ ، وهذا هو نافع بن الأزرق ، لمّا رأى

__________________

١. النحل : ٤٧.

٢. التفسير ( للقرطبي ) : ١٠ / ١١٠ ، تَمَكَ السنام : طال وارتفع ، القرد : المتراكم بعض لحمه فوق بعض ، النبعة : شجرة من أشجار الجبال ، يتخذ منها القسي ، السفن : القشر.

٣. الأنعام : ١٢٥.

٤. الدر المنثور : ٣ / ٤٥.

٥. كنز العمال : ١ / ٢٥٧.

٣٥٤

عبد الله بن عباس جالساً بفناء الكعبة ، وقد اكتنفه الناس ويسألونه عن تفسير القرآن ، فقال لنجدة بن عويمر ١ الحروري : قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به ، فقاما إليه فقالا : إنّا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسّرها لنا وتأتينا بمصادقة من كلام العرب ، فانّ الله تعالى أنزل القرآن بلسانٍ عربي مبين ، فقال ابن عباس : سلاني عمّا بدا لكم ، فقال نافع : أخبرني عن قول الله تعالى : ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ ) ٢ قال : العزون : الحلَق الرقاق ، فقال : هل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم. أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول :

فجاءُوا يُهْرَعُونَ إليه حتى

يكونُوا حولَ منبِرْهَ عِزينا

ثمّ سألاه عن أشياء كثيرة عن لغات القرآن الغريبة ففسّرها مستشهداً بالشعر الجاهلي ، ربّما تبلغ الأسئلة والأجوبة إلى مائتين ، ولو صحّت تلك الرواية لدلّت قبل كلّ شيء على نبوغ ابن عباس في الأدب العربي ، وإلمامه بشعر العرب الجاهلي حيث استشهد على كلّ لغة فسّرها بشعر منهم ، وقد جاءت الأسئلة والأجوبة في الاتقان. ٣

وهذه الأحاديث والأخبار تعرب عن أنّ الخطوة الأُولى لتفسير القرآن الكريم كانت تفسير غريبه وتبيين ألفاظه التي ربّما تشكل على البعض ، ولعلّ ذلك كان الحافز القوي للفيف من جهابذة الأُمّة ، حيث استثمروا تلك الخطوة وبلغوا الغاية فيه من غير فرق بين السنّة والشيعة ، ونحن نذكر في هذا المجال ما ألّفه علماء الشيعة وأُدباؤهم بعد ابن عباس ، ونكتفي من الكثير بمشاهيرهم الذين كان لهم دوي في الأوساط اللغوية والأدبية ، ونترك من لم يكن له ذلك الشأن ، فليكن ذلك

__________________

١. الرجلان من رؤوس الخوارج ، توفي نافع عام ( ٦٥ ه‍ ) وتوفي نجدة عام ( ٦٩ ه‍ ).

٢. المعارج : ٣٧.

٣. الإتقان : ٢ / ٥٥ ـ ٨٨.

٣٥٥

عذراً لمن يقف على مؤلّفات لهم في غريب القرآن ، ولم نذكرها في تلك القائمة.

١. غريب القرآن ، لأبان بن تغلب بن رباح البكري ( المتوفّى ١٤١ ه‍ ) من أصحاب علي بن الحسين والباقر والصادق عليهم‌السلام ، وكانت له منزلة عندهم ، وقد نصّبه أبو جعفر الباقر عليه‌السلام للافتاء ، وقال : « اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فانّي أحبّ أن يرى في شيعتي مثلك » ، وقال أبو عبد الله عليه‌السلام لمّا أتاه نعيه : « والله أوجع قلبي موت أبان ». وقال النجاشي : عظيم المنزلة في أصحابنا ، وكان قارئاً من وجوه القرّاء فقيهاً لغوياً ، سمع من العرب وحكى عنهم ، وكان أبان رحمه‌الله مقدّماً في كلّ فن من العلم ، في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو. وله كتب منها تفسير غريب القرآن وكتاب الفضائل ، ولأبان قراءة مفردة مشهورة عند القرّاء. مات أبان في حياة الإمام الصادق سنة ( ١٤١ ه‍ ). ١

٢. غريب القرآن : لمحمد بن السائب الكلبي ( المتوفّى ١٤٦ ه‍ ) وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام ووالد هشام بن محمد بن السائب الكلبي العالم المشهور والنسّابة المعروف. ٢

٣. غريب القرآن : لأبي روق ٣ عطيّة بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي. قال ابن عقدة : كان ممّن يقول بولاية أهل البيت عليهم‌السلام. ٤

__________________

١. رجال النجاشي : ١ / ٧٣ برقم ٦ ؛ بغية الوعاة : ٧٦ ؛ تهذيب التهذيب : ١ / ٩٣ ؛ الطبقات الكبرى : ٦ / ٣٦ ؛ ميزان الاعتدال : ١ / ٥ وغيرهم من أصحاب المعاجم.

٢. رجال النجاشي : ١ / ٧٨ ؛ تنقيح المقال : ٣ / ١١٩.

٣. كذا في رجال النجاشي ، وفي فهرست الشيخ « أبي ورق » ، والصحيح هو الأوّل ذكره ابن النديم أيضاً : ص ٥٧.

٤. رجال النجاشي : ١ / ٧٨ ؛ الطبقات الكبرى : ٦ / ٣٦٨ ؛ خلاصة الأقوال : ١٣١ ؛ معجم الأُدباء : ١ / ١٠٧ برقم ٢.

٣٥٦

٤. غريب القرآن : لعبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي ، جمعه من كتاب أبان ومحمد بن السائب الكلبي ، وأبي روق عطية بن الحارث ، فجعله كتاباً واحداً فبيّن ما اختلفوا فيه وما اتّفقوا عليه ، فتارة يجيء كتاب أبان مفرداً ، وتارة يجيء مشتركاً. ١

ويظهر من سند الشيخ الطوسي إليه في الفهرست أنّه ممّن صحب أبان بن تغلب ، وينقل عنه ابن عقدة المتوفّى عام ( ٣٣٣ ه‍ ) بواسطة حفيده ( أبو أحمد بن الحسين بن عبد الرحمن الأزدي ) ، فالرجل من علماء القرن الثاني.

٥. غريب القرآن : للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد الطبري الآملي الوزير الشيعي المتوفّى عام ( ٣١٣ ه‍ ). ٢

٦. غريب القرآن : للشيخ أبي الحسن علي بن محمد العدوي الشمشاطي النحوي المعاصر لابن النديم الذي ألّف فهرسته عام ( ٣٧٧ ه‍ ). قال النجاشي : « كان شيخنا بالجزيرة ، وفاضل أهل زمانه وأديبهم ، له كتب كثيرة منها كتاب « الأنوار والثمار ». قال لي سلامة بن ذكاء : إنّ هذا الكتاب ألفان وخمسمائة ورقة يشتمل على ذكر ما قيل في الأنوار والثمار من الشعر ». ثمّ عدّ كتبه ، ومنها كتاب غريب القرآن إلى أن قال : قال سلامة : وكتاب مختصر الطبري ، حيث حذف الأسانيد والتكرار ، وزاد عليه من سنة ثلاث وثلاثمائة إلى وقته فجاء نحو ثلاثة آلاف ورقة ، وتمّم كتاب « الموصل » لأبي زكريا زيد بن محمد ، وكان فيه إلى سنة

__________________

١. فهرست الطوسي : ٦٤١ ؛ رجال النجاشي : ١ / ٧٨. وفي الثاني « الحارث » مكان « الحرث » كما عرفت الاختلاف في « روق » و « ورق ».

٢. فهرست ابن النديم : ٥٨.

٣٥٧

( ٣٢١ ه‍ ) ، فعمل فيه من أوّل سنة ( ٣٢٢ ه‍ ) إلى وقته ، وذكر النجاشي فهرس كتبه ، منها غريب القرآن. ١

٧. غريب القرآن : للشيخ فخر الدين الطريحي المتوفّى عام ( ١٠٨٥ ه‍ ) ، وقد طبع في النجف الأشرف في جزء واحد عام ( ١٣٧٢ ه‍ ) ، وأسماه المؤلّف ب‍ « نزهة الخاطر وسرور الناظر وتحفة الحاضر ».

٨. مجمع البحرين ومطلع النيرين : وهو في غريب القرآن والحديث ولغتهما للشيخ الطريحي أيضاً ، وهو كتاب كبير معجم للغاتهما ، طبع في ستة أجزاء.

٩. البيان في شرح غريب القرآن : للشيخ قاسم بن حسن آل محيي الدين طبع بالنجف عام ( ١٣٧٤ ه‍ ) ، بإشراف وتصحيح مرتضى الحكمي.

١٠. غريب القرآن : للسيد محمد مهدي بن السيد الحسن الموسوي الخرسان يقع في جزءين. ٢

هذه عشرة كاملة نكتفي بها ، وهناك كتب أُلّفت في توضيح مفردات القرآن بغير اللغة العربية ، فمن أراد فليرجع إلى الفهارس.

فإذا كانت هذه الكتب تهدف إلى تفسير غريب القرآن وتبيين مفرداته ، فهناك كتب تهدف إلى تفسير غريب جمله التي جاءت في القرآن بصورة المجاز أو الكناية أو الاستعارة على الفرق الواضح بينها ، وإليك بعض ما أُلّف في ذلك المجال :

١. مجاز القرآن : لشيخ النحاة الفرّاء يحيى بن زياد بن عبد الله الديلمي

__________________

١. رجال النجاشي : ٢ / ٩٣ برقم ٦٨٧ ، وترجمة الياقوت في معجم الأُدباء : ١٤ / ٢٤٠ برقم ٣٩.

٢. الذريعة إلى تصانيف الشيعة : ١٦ / ٥٠ برقم ٣٠٨.

٣٥٨

الكوفي الذي توفّى في طريق مكّة عام ( ٢٠٧ ه‍ ). ١

٢. المجاز من القرآن : لمحمّد بن جعفر أبو الفتح الهمداني ، المعروف ب‍ « المراغي ». يقول النجاشي : كان وجيهاً في النحو واللغة ببغداد ، حسن الحفظ ، صحيح الرواية فيما نعلمه ، ثمّ ذكر كتبه وقال : كتاب ذكر المجاز من القرآن. ٢

٣. مجازات القرآن : للشريف الرضي وهو أحسن ما أُلّف في هذا المجال ، وأسماه « تلخيص البيان في مجازات القرآن » ، وقد طبع مرّات أحسنها ما قام بطبعه مؤتمر الذكرى الألفيّة للسيد الشريف الرضي عام (١٤٠٦) ، وهو من أنفس الكتب.

هؤلاء مشاهير المؤلّفين في غريب القرآن ولغته ومجازاته ، وهناك عدّة أُخرى جالوا في هذا الميدان ، لكن لا على وجه الاستقلال ، بل أدرجوه في التفسير. فهذا هو الشيخ الطوسي يبيّن مفردات القرآن واشتقاقاتها بوجه دقيق في تبيانه ، كما أنّ أمين الإسلام الطبرسي قام بهذه المهمّة في تفسيره « مجمع البيان » ، ولو قام الباحث باستخراج ما ذكره هذان العلمان في مجال مفردات الكتاب العزيز لجاء كتاباً حافلاً.

وفي الختام ننبّه على نكتة ، وهو أنّ التفسير اللغوي للقرآن صار أمراً رائجاً في عصرنا هذا واشتهر باسم التفسير البياني ، ومن المصرّين على هذا النمط من التفسير أمين الخولي المصري ، والكاتبة المصرية عائشة بنت الشاطئ ، وقد انتشرت منهما في ذلك المجال كتب ، وقاما بتفسير القرآن بالرجوع إلى نفس القرآن الكريم ، والتفتيش عن موارد استعمالها في جميع الآيات ، وهذا النمط من التفسير يعالج

__________________

١. الذريعة إلى تصانيف الشيعة : ١٧ / ٣٥١ برقم ١٥٦٧.

٢. رجال النجاشي : ٢ / ٣١٩ برقم ١٠٥٤.

٣٥٩

جانباً واحداً من مهمّة التفسير ، وهناك جوانب أُخرى لا يستغني الباحث عنها إلاّ بالتمسّك بصحيح الأثر وغيره.

٢. الشيعة والتفسير الموضوعي بأقسامه

إنّ نزول القرآن نجوماً ، وتوزع الآيات الراجعة إلى أكثر الموضوعات في سور القرآن يقتضي نمطاً آخر من التفسير غير تفسير القرآن سورة فسورة وآية فآية ، وهذا النمط عبارة عن تفسيره حسب الموضوع بجمع آيات كلّ موضوع في محلّ واحد وتفسير مجموعتها مرّة واحدة ، مثلاً المفسّر الذي يحاول التعمق في الحديث عن السماء والأرض ، أو عن المعاد ، أو قصص الأنبياء ، أو في أفعال الإنسان من جهة الجبر والاختيار ، لابدّ أن يتبع هذا النمط الذي ذكرناه ليتمكّن من جمع أطراف الموضوع جمعاً كاملاً وشاملاً.

إنّ من جملة الأسباب التي دعت إلى ظهور عقائد مختلفة بين المسلمين ، وتشبّث صاحب كلّ مذهب بآيات القرآن ، هو أنّهم اهتمّوا بقسم خاص من آيات الموضوع دون الأخذ بكلّ ما يرجع إليه ، ولو أنّهم اهتموا في كلّ مسألة من المسائل الاعتقادية بمجموع الآيات لدرؤوا عن أنفسهم الوقوع في المهاوي السحيقة.

ومن باب المثال نذكر أصحاب عقيدة الجبر في أفعال الإنسان ، أو مذهب التفويض فيها ، فانّهم ابتلوا بما ذكرناه ، وخبطوا خبطة عشواء في فهم المقاصد الإلهيّة وتفسيرها. إنّ الرجوع إلى الفهارس ومعاجم الكتب خصوصاً فيما ألّف في أحوال رجال كانوا يعيشون في القرون الأُولى الإسلامية إلى رابعة القرون وخامستها يكشف عن أنّ هناك لفيفاً من علماء الشيعة وفطاحلهم اهتموا بهذا النمط من

٣٦٠