🚘

مفاهيم القرآن - ج ١٠

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ١٠

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٢
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤٥٩
🚘 نسخة غير مصححة

ولأجل ذلك لما سألت أُمّ المؤمنين عائشة ، معاويةَ عن سبب تنصيب ولده يزيد خليفة على رقاب المسلمين فأجابها : إنّ أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم. ١

وبهذا الجواب أيضاً أجاب معاويةُ عبدَ الله بن عمر ، عندما استفسر من معاوية عن تنصيبه يزيد ، بقوله : إنّي أُحذِّرك أن تشقّ عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم ، وأن تسفك دماءهم وإنّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمره. ٢

وقد تسرّبت فكرة الجبر إلى أكثر الأوساط الإسلامية خصوصاً بين الشعراء وأصحاب الملاحم ، حيث راحوا يفسرون الوضع المزري الذي يعاني منه المسلمون بالقضاء والقدر. وسيوافيك أنّه لا صلة للقضاء والقدر بسلب الاختيار عن الإنسان.

حرية الإرادة من منظارٍ قرآني

إنّ الآيات القرآنية تصرّح باختيارية الإنسان وانّه فاعل مختار مسؤول عن عمله.

١. يقول سبحانه : ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ). ٣

فالشاكر يسلك السبيل الذي أراده الله سبحانه له ، فيصل إلى الهدف المنشود ، بخلاف الكفور ، فيسلك غير هذا السبيل.

__________________

١. الإمامة والسياسة : ١ / ١٦٧.

٢. الإمامة والسياسة : ١ / ١٧١.

٣. الإنسان : ٣.

٤١

٢. ( قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ). ١

ترى أنّ الآية تنسب الضلالة إلى نفس الإنسان ، والهداية إلى وحيه سبحانه إليه ، مع أنّ الهداية والضلالة كلّها من الله سبحانه ، وما هذا إلاّ لأنّه سبحانه قد هيّأ كافّة وسائل الهداية للإنسان منذ أنْ خُلِقَ إلى أن يُدرج في أكفانه ، وهي عبارة عن تزويده بفطرة التوحيد وتعزيزها ببعث الأنبياء والمرسلين ، والعقل السليم ، إلى غير ذلك من أدوات الهداية ، فمن انتفع بها فقد اهتدى ، فصحّ أن يقال : إنّ الهداية من الله لأنّه زوّد الإنسان بوسائلها ، ومن لم ينتفع بها فقد ضلّ فصحّ أن يقال ( إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي ).

وبهذا المضمون قوله سبحانه : ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ). ٢

٣. ( وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ). ٣

ولا تجد في القرآن الكريم آية أكثر نصاعة في حرية الإنسان من هذه الآية ، وقد صبّ شهيدنا الثاني ( ٩٠٩ ـ ٩٦٦ ه‍ ) مضمون هذه الآية ضمن بيتين ، حيث قال :

لقد جاء في القرآن آية حكمة

تدمّر آياتِ الضلال ومن يُجبر

وتخُبر انّ الاختيار بأيدينا

فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر

__________________

١. سبأ : ٥٠.

٢. الإسراء : ١٥.

٣. الكهف : ٢٩.

٤٢

٤. ( قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ). ١

٥. ( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ). ٢

٦. ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ). ٣

٧. ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ). ٤

إلى غير ذلك من الآيات الدالَّة على أنّ الإنسان فاعل مسؤول عن أعماله ، حرّ في إرادته ، مختار فيما يكتسب.

وعلى ضوء هذا فمن حاول أن ينسب الجبر إلى القرآن فقد خبط خبطَ عشواء.

إنّ بعث الأنبياء ودعوة الناس إلى طريق الرشاد ، ونهيهم عن ارتكاب القبائح أوضح دليل على أنَّ الإنسان موجود قابل للإصلاح والتربية ، إذ لو كان مجبوراً على فعل المعاصي ، لكان بعث الأنبياء ودعوتهم أمراً سدى.

نعم الدعوة إلى حرية الإنسان وكونه فاعلاً مختاراً لا تعني أبداً انقطاع صلة الإنسان بالله سبحانه وإرادته. لأنّ تلك الفكرة كفكرة الجبر باطلة تورد الإنسان في مهاوي الشرك والثنويّة التي ليست بأقلَّ ضرر من القول بالجبر.

فالتفويض بمعنى استقلال الإنسان في فعله وإرادته وكل ما يكتسب وخروجه عن سلطة الله سبحانه ، تفويض باطل كالقول بأنّه فاعل مجبور.

لا جبر ولا تفويض :

وقد أكّد أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام على وهن تلك الفكرتين.

__________________

١. الأنعام : ١٠٤.

٢. الأنفال : ٤٢.

٣. الطور : ٢١.

٤. النور : ١٦.

٤٣

قال الإمام الصادق عليه‌السلام : « إنّ الله أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون ، والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد ». ١

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه‌السلام فسّر حرية الإنسان بهذا النحو : « وجود السبيل إلى إتيان ما أُمروا وترك ما نهوا عنه ». ٢

نعم التركيز على بطلان الجبر أكثر في الروايات من التصريح ببطلان التفويض.

قال الإمام الصادق عليه‌السلام : « الله أعدل من أن يجبر عبداً على فعل ثمّ يعذّبه عليه ». ٣

وسأل الحسن بن علي الوشاء الإمام الرضا عليه‌السلام : هل الله أجبر العباد على المعاصي ؟ فقال عليه‌السلام : « الله أعدل وأحكم من ذلك ». ٤

نعم موضوع الاختيار عبارة عن الأفعال التي يقوم بها الإنسان ، وأمّا الأُمور الخارجة عن حيطة الثواب والعقاب التي ربّما يبتلى بها الإنسان من حيث لم يشأ كالبلايا والمصائب والزلازل والسيول المخرّبة والأعاصير ، إلى غير ذلك فهي خارجة عن اختيار الإنسان ، فليس هو بالنسبة إليها لا فاعلاً جبرياً ولا فاعلاً بالاختيار.

هذه هي نظرة القرآن الكريم في أفعال الإنسان ، غير انّ هناك شبهات تذرَّعت بها بعض الفرق الإسلامية وحاولوا بذلك سلب الاختيار عنه ظناً منهم أنّهم بذلك يحسنون صنعاً.

__________________

١. البحار : ٥ / ٤١.

٢. البحار : ٥ / ١٢.

٣. التوحيد للصدوق : ٣٦٠ ، الحديث ٦ ، باب نفي الجبر والتفويض.

٤. نفس المصدر : ٣٦٣ ، الحديث ١٠.

٤٤

الفصل الخامس

شبهات وحلول

دلّت البراهين العقلية كالنصوص القرآنية على أنّه سبحانه قائم بالقسط في جميع شؤونه ، بيد انّ ثمة شبهات أُثيرت حول الموضوع تنشد لنفسها حلولاً.

الشبهة الأُولى : خلق الأعمال

إنّ التوحيد الأفعالي يرشدنا إلى أنّ ما في الكون مخلوق لله سبحانه ، دون فرق بين الجواهر والأعراض ، وبين الإنسان وأعماله ، وهذا صريح الآيات التالية :

١. ( قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ). ١

٢. ( ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ... ). ٢

٣. ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ ). ٣

فإذا لم يكن في صحيفة الوجود إلاّ خالق واحد لا شريك له في الخلق ، فكلّ

__________________

١. الرعد : ١٦.

٢. المؤمن : ٦٢.

٣. فاطر : ٣.

٤٥

ما يصدر من الإنسان فهو مخلوق له وهو خالقه ، وهذا ما يعبّر عنه بالتوحيد في الخالقية.

ويستنتج منه أمران :

أ : إذا كان فعل الإنسان مخلوقاً لله سبحانه لا للإنسان فيكون مجبوراً في فعله لا مختاراً.

ب : إذا كان فعل العبد حسنُه وسيِّئه فعلاً لله سبحانه ومخلوقاً له ، فتكون المؤاخذة على أفعال العبد خلاف العدل والقسط ، لأنّ الخالق هو الله سبحانه والمَُجزيّ هو العبد ، مع أنّه لا دور له في فعله.

أقول : إنّما رتَّبوه على التوحيد في الخالقية يخالف الفطرة أوّلاً ، فانّها تشهد على حرية الإنسان في أفعاله ، ويخالف أهداف الأنبياء ثانياً. فإذا كان الإنسان مجبوراً فيما يفعل ويترك ، كان بعث الأنبياء ودعوتهم إلى الطريق المستقيم أمراً لغواً ، غير مؤثر في هداية الإنسان ، بل تعدُّ عامة القوانين الجزائية في الإسلام أمراً لغواً وظلماً في حقّ المرتكب ، لأنّه لم يقترف المعاصي والسيئات عن اختيار ، بل عن جبر وسوق من الله سبحانه إيّاه إلى العمل ، وهو تعالى هو الفاعل الخالق لأعمالهم ، لا العبدُ فيكون تعذيبه مصداقاً لقول الشاعر :

غيري جنى وأنا المعاقب فيكم

فكأنّني سبّابة المتندِّم

لكنّ الأشاعرة مخطئون في تفسير التوحيد في الخالقية أو التوحيد الأفعالي الذي هو من المعارف الإسلامية التي صدع بها القرآن الكريم.

انّ التوحيد في الخالقية يُفسر بأحد تفسيرين :

أ : أنَّ كل ما في الكون من الظواهر الطبيعية والفلكية وغيرهما مخلوق لله

٤٦

سبحانه مباشرة ، وبلا تسبيب سبب وتهيئة مقدمة وليس في صحيفة الكون إلاّ علة واحدة تقوم بجميع الأفعال ، وتنوب مناب العلل الطبيعية في كافة الموارد.

ب : إنَّ صحيفة الكون قائمة بوجوده سبحانه ومنتهية إليه ، غير انّه سبحانه خلق الأشياء من خلال نظام الأسباب والمسببات ، والعلل والمعلولات ، على وجه يكون للسبب والعلة دور في تحقّق المسبب والمعلول وإن كان ذلك بإذنه سبحانه.

وعلى ضوء ذلك فللعالم خالق واحد أصيل ، وعلّة واحدة قائمة بنفسها ، لكن تتوسط بينها وبين الظواهر الطبيعية والفلكية علل وأسباب مؤثرة في معاليلها ، قائمة بذاته سبحانه ، مؤثرة بأمره ، والجميع من سنن الله تبارك وتعالى.

أمّا التفسير الأوّل : فهو خيرة الأشاعرة الذين ينكرون العلل والأسباب الطبيعيَّة ولا يعترفون إلا بعلة واحدة ، وهي قائمة مقام عامة العلل المتصورة للطوائف الأُخرى ، ولكن هذا التفسير ـ وإن كان لأجل الغلو في التوحيد ـ يخالف نصوص القرآن الكريم ، فانّ الوحي الإلهي يذعن بعلل طبيعية مؤثرة في معاليلها ، وإليك بعضَ ما يدل على ذلك الأصل :

١. ( وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ). ١

فالآية صريحة في تأثير الماء في اهتزاز الأرض وربوّها ، ثمّ إنباتها كلّ زوج بهيج ، فالأرض الهامدة كالجماد ، والذي يخرجها من هذه الحالة هو الماء ، يقول سبحانه : ( فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ ) فالاهتزاز والرباء والإنبات أثر الماء ولكن بإذنه سبحانه.

__________________

١. الحج : ٥.

٤٧

وجاء نفس المضمون في الآية التالية : ( وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ). ١

والبيان نفس البيان فلا نطيل.

٢. ( مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ). ٢

ترى أنّه سبحانه ينسب الإنبات إلى الحبة ، ويقول ( كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ) وهو ظاهر في تأثير الحبة في ظهور السنابل ، وفي كلّ سنبلة مائة حبة ، وإن كان ذلك التأثير بأمره سبحانه ، حيث إنَّ الكلّ سُنَّة من سننه.

٣. ( اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ). ٣

والآية صريحة في أنّ هناك عللاً طبيعيَّة مؤثرة في معاليلها التي منها إثارة الرياح السحاب ، فهي فعل الرياح ، كما هو صريح قوله ( فَتُثِيرُ سَحَابًا ).

ثمّ إنّه سبحانه يستخدم السحاب المنثورة فيبسطها في السماء ، ويجعلها كسفاً ، أي قطعاً متفرقة ، فعند ذلك يخرج الودق من خلاله.

وعلى كلّ حال فالآية صريحة في وجود الصلة بين إرسال الرياح ، وإثارة السحاب ، وانبساطها في السماء ، وصيرورتها كسفاً التي تسفر عن خروج الودق من خلال السحاب ، كلّ ذلك مظاهر طبيعية وظواهر كونية يؤثر كل في الآخر

__________________

١. لقمان : ١٠.

٢. البقره : ٢٦١.

٣. الروم : ٤٨.

٤٨

بإذن الله سبحانه ، والجميع من سننه الكونية والاعتراف بها اعتراف بقدرته وعلمه وحكمته وانّ الجميع من جنوده سبحانه الخاضعة لإرادته.

ومع هذه التصريحات كيف يمكن تفسير التوحيد في الخالقية بالمعنى الأوّل ، ورفض كلّ تفسير ضمني وتبعي لغيره سبحانه ؟!

والذي يدل على ذلك انّه سبحانه ينسب عمل الإنسان إليه ، ويقول :

( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ ). ١

( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ). ٢

( وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ). ٣

ففي هذه الآيات ينسب عمل الإنسان إليه ويرى أنّ له دوراً في مصيره ، ويرى أنّه ليس لكلّ إنسان إلاّ سعيه وجهده.

وثمة آيات تنسب الخلق إلى غيره سبحانه ، لكن لا على وجه ينافي التوحيد في الخالقية ، حيث يقول :

( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإِذْنِي ). ٤

( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ ). ٥

وأي تصريح أوضح من خطابه الموجّه إلى المسيح ، بقوله : ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ

__________________

١. التوبة : ١٠٥.

٢. محمّد : ٣٣.

٣. النجم : ٣٩ ـ ٤٠.

٤. المائدة : ١١٠.

٥. آل عمران : ٤٩.

٤٩

الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ).

فمقتضى الجمع بين الآيات التي تحصر الخالقية في الله سبحانه ولا ترى خالقاً غيره ، والآيات التي تعترف بتأثير العلل بعضها في بعض ، وتنسب الخلقة إلى غيره سبحانه إيضاً ، هو القول بأنّ المقصود من حصر الخالقية في الله هو الخالقية النابعة من ذات الخالق غير المعتمد على شيء.

وأمّا الخالقية التبعية والظلية والتأثير الحرفي فهي قائمة بالعلل والأسباب التي أوجدها سبحانه وصيَّرها على نظام العلل والمعاليل والمسببات ، ولا منافاة بين ذلك الحصر ونفيه عن الغير ، وإثباته للآخرين ، لأنّ المحصور فيه سبحانه هو الخالقية التي يستقل الفاعل في خلقه عن غيره ، والمثبت لغيره هو القيام بالتأثير والخالقية التي أذن به سبحانه حيث إنَّ قيام الجميع من العلل والمعاليل به سبحانه.

وبذلك يظهر أمران :

الأوّل : انّ الاعتراف بالتوحيد في الخالقية الذي هو أصل من الأُصول لا يخالف الاعتراف بنظام العلل والمعاليل في الطبيعيات والفلكيات بل في عالم المجردات ، فانّه سبحانه خلق لكلّ شيء سبباً وجعل لها قدراً وقضاءً.

الثاني : انّ الاعتراف بالتوحيد في الخالقية لا يلازم الجبر وسلب المسؤولية عن الإنسان على وجه يكون كالريشة في مهبِّ الرياح ، بل له وجود بإيجاد الله سبحانه وقدره وإرادته وبأمر منه سبحانه.

الشبهة الثانية : علمه سبحانه وإرادته السابقة

قد وقع تعلَّق علمه سبحانه بكلّ ما وقع ويقع ، ذريعة للقول بالجبر ،

٥٠

وبالتالي لنفي عدله سبحانه ، وإليك بيان الشبهة :

إنّ ما علم الله سبحانه تحقّقه من أفعال العباد ، فهو واجب الصدور ، وما عَلِمَ عدمَه فهو ممتنع الصدور منه ، وإلا انقلب علمه جهلاً ، وليس فعل العبد خارجاً عن كلا القسمين ، فهو إمّا ضروري الوجود ، أو ضروري العدم ، ومعه لا مفهوم للاختيار ، إذ هو عبارة عمّا يجوز فعله أو تركه ، مع أنّ الأوّل لا يجوز تركه ، والثاني لا يجوز فعله.

وقد وقع هذا الدليل عند الرازي موقع القبول ، وقال : ولو اجتمع جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً إلاّ بالتزام مذهب هشام : وهو أنّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها. ١

إنّ هذه الشبهة لا تختص بعلمه سبحانه ، بل تسري أيضاً في مجال إرادته ، فانّ ما في الكون غير خارج عن إرادته ، وعند ذلك تتوجه الشبهة التي قررها الشريف الجرجاني ( المتوفّى عام ٨١٦ ه‍ ) بالنحو التالي :

قالوا : ما أراد الله وجوده من أفعال العباد وقع قطعاً ، وما أراد عدمه منها ، لم يقع قطعاً ، فلا قدرة للإنسان على شيء منهما. ٢

وأظن انّ الرازي قد بالغ في شأن هذه الشبهة ، وانّه لو تأمّل فيما حقَّقه الأعلام حول كيفية تعلّق علمه وإرادته سبحانه بمعلومه ومراده لتجلَّت الحقيقة ناصعة.

وحاصل ما حقَّقه الفطاحل من أعلام الفلسفة والكلام ، هو ما يلي :

إنّ علمه الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن فاعله على وجه الإطلاق ، بل

__________________

١. شرح المواقف : ٨ / ١٥٥.

٢. شرح المواقف : ٨ / ١٥٦.

٥١

تعلّق علمه بصدور كلّ فعل عن فاعله حسب الخصوصيات الموجودة فيه. وعلى ضوء ذلك تعلق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر ، بلا شعور ، كما تعلّق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش ، عالماً بلا اختيار ، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحرية. وبالتالي : تعلَّق علمه بوجود الإنسان وكونه فاعلاً مختاراً ، وصدور فعله عنه اختياراً ـ فمثل هذا العلم ـ يؤكد الاختيار ويدفع الجبر عن ساحة الإنسان.

وإن شئت قلت : إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة ، ومريدة ومختارة كالإنسان ، فقد تعلق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية ، فلو صدر فعل الإنسان منه بهذه الكيفية لكان علمه سبحانه مطابقاً للواقع غير متخلّف عنه ، وأمّا لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر واضطرار بلا علم وشعور أو بلا اختيار وإرادة ، فعند ذلك يتخلّف علمه عن الواقع.

يقول العلاّمة الطباطبائي ( ١٣٢١ ـ ١٤٠٢ ه‍ ) : إنّ العلم الأزلي متعلق بكلّ شيء على ما هو عليه ، فهو متعلق بالأفعال الاختيارية بما هي اختيارية ، فيستحيل أن تنقلب غير اختيارية.

وبعبارة أُخرى : المقضيّ هو أن يصدر الفعل عن الفاعل الفلاني اختياراً ، فلو انقلب الفعل من جهة تعلق القضاء به ، غير اختياري ناقض القضاء نفسه. ١

هذا هو حال تعلّق علمه سبحانه بالأشياء والأفعال ، وقد عرفت أنّه لا يستلزم الجبر وبالتالي لا يستلزم خلاف عدله.

__________________

١. تعليقة الأسفار : ٦ / ٣١٨.

٥٢

وبذلك تعلم كيفية تعلّق إرادته سبحانه بالأشياء والأفعال ، وانّ القول بسعة إرادته لا تستلزم الجبر شريطة أن نتأمل في متعلّق إرادته ، فنقول :

إنّ إرادته لم تتعلّق بصدور فعل الإنسان منه سبحانه مباشرة وبلا واسطة ، بل تعلّقت بصدور كلّ فعل من علّته بالخصوصيات التي اكتنفتها. مثلاً تعلّقت إرادته سبحانه على أن تكون النار مبدأ للحرارة بلا شعور وإرادة ، كما تعلّقت إرادته على صدور الرعشة من المرتعش مع العلم ولكن لا بإرادة واختيار ، وهكذا تعلّقت إرادته في مجال الأفعال الاختيارية للإنسان على صدورها منه مع الخصوصيات الموجودة فيه ، المكتنفة به من العلم والاختيار وسائر الأُمور النفسانية.

وصفحة الوجود الإمكاني زاخرة بالأسباب والمسببات المنتهية إليه سبحانه ، فمثل هذه الإرادة المتعلّقة على صدور فعل الإنسان بقدرته المحدثة واختياره الفطري ، تؤكد الاختيار ولا تسلبه منه.

ومع ذلك كله ليس فعل الإنسان فعلاً خارجاً عن نطاق قدرته سبحانه غير مربوط به ، كيف وهو بحوله وقوته يقوم ويقعد ويتحرك ويسكن ، ففعل الإنسان مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز ، فعل الله أيضاً بالحقيقة فكلّ حول يفعل به الإنسان فهو حوله ، وكلّ قوة يعمل بها فهي قوته.

إلى هنا تبيّن انّ تعلّق إرادته سبحانه بالأفعال والأشياء لا تستلزم الجبر وكون الإنسان مجبوراً في أعماله.

هذا كلّه حول ما أفاده المحقّقون فلنرجع إلى القرآن بغية استكشاف رؤيته حول هذا الموضوع.

٥٣

فنقول : أمّا سعة إرادته سبحانه للأشياء والأفعال وعدم خروج فعل الإنسان عن حيطة علمه وإرادته فهذا ممّا يثبته القرآن الكريم بوضوح ، فمن حاول أن يُخرج فعل الإنسان من حيطة إرادته فقد خالف البرهان أوّلاً ، وخالف نص القرآن ثانياً. إذ كيف يمكن أن يقع في سلطانه مالا يريد ؟ ولذلك يقول سبحانه : إنّ الإنسان لا يشأ شيئاً إلاّ ما شاء الله ، وانّ إيمان كلّ نفس بإذنه ومشيئته ، وإنّ كلّ فعل خطير وحقير لا يتحقق إلاّ بإذنه.

يقول سبحانه :

( وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ). ١

( مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ ). ٢

( مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ). ٣

وهذه الآيات الناصعة صريحة في عدم خروج فعل الإنسان عن مجاري إرادته سبحانه ، وقد أكّدت ما نزل به الوحي ، الرواياتُ المروية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.

وبما انّ خروج فعل الإنسان عن حيطة إرادته ومشيئته يستلزم تحديد إرادته ، يقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رد تلك المزعمة :

« من زعم انّ الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه ». ٤

__________________

١. التكوير : ٢٩.

٢. يونس : ١٠٠.

٣. الحشر : ٥.

٤. بحار الأنوار : ٥ / ٥١ ، أبواب العدل ، الباب ١ ، الحديث ٨٥.

٥٤

وبما انّ خروج أفعال الإنسان عن حيطة إرادته يستلزم تحديداً في سلطانه ، يقول الإمام الصادق عليه‌السلام : وَاللهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يَكُون في سُلْطانِهِ ما لا يُريد. ١

وقد ورد في الحديث القدسي قوله : « يابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء ، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد ». ٢

يقول الإمام الباقر عليه‌السلام : « لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلاّ بهذه الخصال السبع : بمشيّة ، وإرادة ، وقدر ، وقضاء ، وإذن ، وكتاب ، وأجل ، فمن زعم أنّه يقدر على نقض واحدة منهنّ فقد كفر ». ٣

لا يليق لموحد أن يشك في سعة إرادته وتعلّقه بكلّ ما كان وما هو كائن وما يكون إلاّ أنّ اللازم هو إمعان النظر في متعلّقها ، فهل تعلّق بأصل صدور الفعل عن الإنسان ، أو تعلّق بصدوره عنه بقيد الاختيار ، والأوّل لا يفارق الجبر ، والثاني نفس الاختيار والعدل ، وقد علمت أنّ إرادته كما تتعلّق بأصل صدوره ، فهكذا تتعلق بكيفية صدوره من الاختيار ، وعند ذلك لا تكون سعة إرادته ذريعة لتوهم الجبر وخلاف العدل.

إيضاح آيات ثلاث

قد مضى الكلام في سعة إرادته وتعلّقها بكلّ شيء ، لكن هناك آيات ربما

__________________

١. بحار الأنوار : ٥ / ٤١ ، أبواب العدل ، الباب ١ ، الحديث ٦٤.

٢. توحيد الصدوق : الباب ٥٥ ، الحديث ٦ ، ١٠ ، ١٣.

٣. بحار الأنوار : ٥ / ١٢١ ، باب القضاء والقدر ، الحديث ٦٥.

٥٥

توحي إلى خروج أفعال العباد عن دائرة إرادته وهي :

١. ( وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ). ١

فالظلم الصادر من العباد فعل من أفعالهم ، خارج عن حيطة إرادته.

٢. ( وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ... ). ٢

فالكفر من أفعال العباد ، فهو ليس مرضياً لله سبحانه.

٣. ( وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ). ٣

لكن إيضاح مفاد الآية الأُولى يتوقف على التدبّر في الفقرات التي تسبقها ، وهي :

( وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ). ٤

إنّ الإمعان في الآية يكشف على أنّ المراد من الظلم هو الهلاك والإبادة ، ومعنى الآية انّه سبحانه لا يريد إهلاك عباده وإبادتهم ، فإن هلكوا وابيدوا فانّما هو لأجل ما اقترفوه من الذنوب ، وعلى هذا فالظلم المنفي هو الإبادة والإهلاك بلا سبب الاستحقاق. وأين هذا من خروج أفعال العباد على وجه الإطلاق من حيطة إرادته ؟!

وأمّا الآية الثانية والثالثة فلا صلة لها بالإرادة التكوينية وإنّما تهدف إلى عدم أمره تشريعاً بالكفر والفساد ، فوزان هاتين الآيتين وزان قوله سبحانه : ( قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) ٥ ، وقوله سبحانه : ( إِنَّ اللهَ

__________________

١. غافر : ٣١.

٢. الزمر : ٧.

٣. البقره : ٢٠٥.

٤. غافر : ٣٠ ـ ٣١.

٥. الأعراف : ٢٨.

٥٦

يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ). ١

وعلى ذلك فما يصدر من العباد من الكفر والفساد فانَّما يصدر بحوله سبحانه وقوَّته وإرادته ومشيئته ، لا بمعنى تعلّق مشيئته بكفر العباد وفسادهم في الأرض ، مباشرة بل بكفرهم وفسادهم إذا قاموا بها عن اختيار ، ومع ذلك فهو في تشريعه ينهى عباده عن الكفر والفساد.

روى فضيل بن يسار ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول :

« شاء وأراد ولم يحبّ ولم يرض ، شاء أن لا يكون شيء إلاّ بعلمه وأراد مثل ذلك ، ولم يحب أن يقال له : ثالث ثلاثة ولم يرض لعباده الكفر ». ٢

ويظهر ذلك ممّا نقله أبو بصير عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، قال :

قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : شاء لهم الكفر وأراده ؟ فقال : « نعم ».

قلت : فأحبّ ذلك ورضيه ؟ فقال : « لا ».

قلت : شاء وأراد ، مالم يحبّ ومالم يرض ، قال : « هكذا خرج إلينا ». ٣

الشبهة الثالثة : العدل الإلهي والقضاء والقدر

إنّ البحث في القضاء والقدر رهن توضيح أمرين :

الأوّل : ما معنى القدر ؟

__________________

١. النحل : ٩٠.

٢. توحيد الصدوق : ٣٣٩ ، باب المشية والإرادة ، الحديث ٩.

٣. بحار الأنوار : ٥ / ١٢١ ، باب القضاء والقدر ، الحديث ٦٦.

٥٧

الثاني : ما معنى القضاء ؟

أمّا القدر بمعنى التقدير والتحديد ، فكل ظاهرة طبيعية بل كلُّ موجود إمكاني خلق على تقدير وتحديد خاص ، ولا يوجد في عالم الكون شيء غير مقدّر ولا محدّد ، وإليه يشير سبحانه بقوله : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) ١. وقوله سبحانه : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ). ٢

فالموجودات من النبات إلى الإنسان محدّدة بالحدّ الذي نعبر عنه بالماهية ، وهكذا الحال في الجمادات.

وأمّا القضاء وهو حتمية وجود الشيء بعد تقديره وتحديده ، وذلك رهن وجود سببه التام الذي يلازم وجود المسبب على وجه القطع والبت ، فقضاؤه سبحانه عبارة عن إضفاء الحتمية على وجود الشيء عند وجود علته التامة ، قال سبحانه في مورد السماوات : ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ). ٣

ويقول في حقّ الإنسان : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً ) ٤ أي حكم حكماً حتمياً بأنّ لوجود الشيء مدّة محدّدة لا يتجاوز عنها.

هذا هو معنى القضاء والقدر من غير فرق بين وجود الإنسان وأفعاله ووجود الجواهر وأعراضها ، غير انّ الجميع قبل التقدير والقضاء مكتوب في كتاب عند الله سبحانه ، وقد أشار إليه الكتاب العزيز في بعض الآيات : ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ

__________________

١. القمر : ٤٩.

٢. الحجر : ٢١.

٣. فصّلت : ١٢.

٤. الأنعام : ٢.

٥٨

يَسِيرٌ ). ١

وفي آية أُخرى : ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ). ٢

وفي آية ثالثة : ( وَاللهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ). ٣

إذا وقفت على هذه الأُمور ، فاعلم أنّه ربما يتخذ القضاء والقدر الذي نعبر عنهما بالمصير ذريعة للقول بالجبر ، وبالتالي أمراً مخالفاً للعدل بحجّة انّ اللهَ سبحانه قدّر وجود كلّ شيء ( القدر ) أوّلاً ، وحكم على وجوده وتحقّقه حكماً باتاً ( القضاء ) ثانياً ، وكتب كلّ ما يوجد في الكون في كتاب قبل وجودها ثالثاً.

وعلى ذلك فلا محيص من الفعل والعمل ، وإلاّ يلزم خلاف تقديره وقضائه أو خلاف المكتوب في الكتاب المبين.

أقول : إنّ هذه الشبهة لم تزل عالقة بالأذهان منذ قرون ، ولكن تندفع هذه الشبهة من خلال بيان ما للقضاء والقدر من المعاني ، فنقول :

إنّ التقدير والقضاء على أصناف ثلاثة :

أ : القضاء والقدر : السنن الكونية.

ب : القضاء والقدر : التكوينيّان.

__________________

١. الحديد : ٢٢.

٢. الأنعام : ٥٩.

٣. فاطر : ١١.

٥٩

ج : القضاء والقدر : علمه السابق ومشيئته النافذة.

وإليك البحث في كلّ واحد منها :

أ. القضاء والقدر : السنن الكونيّة

القضاء والقدر في السنن الكونيَّة عبارة عن النظام السائد في العالم و الإنسان ، فالله سبحانه قدّر وحتم احراق النار وتبريد الماء إلى غير ذلك من السنن التي كشفها الإنسان طيلة وجوده على هذه البسيطة ، فكلها من مظاهر القضاء والقدر ، فكلّ من اعتنى بصحته فالمقدَّر في حقّه هو السلامة ، ومن كان على خلافه فالمقضي في حقّه هو المرض ، وكذا الفارُّ من تحت جدار على وشك الانقضاض ، كتبت له النجاة ، والواقف تحته كتب عليه الموت إلى غير ذلك ، فهذه السنن الكونية التي جعلها الله دعائم يقوم عليها هذا النظام ، وقد وقف على بعضها الإنسان عبر حياته ، وهناك سنن كونية ربما لا يقف عليها الإنسان إلاّ عن طريق الوحي ، قال سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء نوح عليه‌السلام :

١. ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ). ١

فترى أنّ نوحاً عليه‌السلام يجعل الاستغفار سبباً مؤثراً في نزول المطر وكثرة الأموال وجريان الأنهار ، ووفرة الأولاد. وإنكار تأثير الاستغفار في هذه الكائنات أشبه بكلمات الملاحدة. وموقف الاستغفار هنا موقف العلّة التامة أو المقتضي بالنسبة إليها ، والآية تهدف إلى أنّ الرجوع إلى الله وإقامة دينه وأحكامه يسوق المجتمع إلى النظم والعدل والقسط ، وذلك لأنَّ في ظلّه تنصبّ القُوى في بناء المجتمع

__________________

١. نوح : ١٠ ـ ١٢.

٦٠