فرسان الهيجاء - ج ١

الشيخ ذبيح الله المحلاتي

فرسان الهيجاء - ج ١

المؤلف:

الشيخ ذبيح الله المحلاتي


المحقق: محمّد شعاع فاخر
الموضوع : التراجم
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-503-145-7
ISBN الدورة:
978-964-503-144-0

الصفحات: ٤٩٥
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الحسن عليه‌السلام ثمّ كان مع الحسين عليه‌السلام حتّى نال الشهادة.

وفي زيارة الناحية المقدّسة والرجبيّة : « السلام على شبيب بن عبدالله النهشلي رضي الله عنه ».

٨٨ ـ شوذب مولى شاكر

شوذب بن عبدالله الشاكري ، مولى شاكر ، ومعنى مولى أنّه كان يسكن بين ظهراني قبيلتهم ولم يكن مملوكاً لهم فأعتقوه ، لذلك سمّوه مولى ، وشوذب من وجوه رجال الشيعة وحفّاظ الحديث وفرسان أهل الكوفة ، ويحمل حديثاً كثيراً عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، كان يحدّث الناس في المجلس ويكسب الناس الحديث منه ، وفي زيارة الناحية المقدّسة : « السلام على شوذب مولى شاكر ».

ونقل السماوي في إبصار العين على الحدائق الورديّة : كان شوذب من رجال الشيعة ووجوهها ومن الفرسان المعدودين ، وكان حافظاً للحديث ، حاملاً له عن أمير المؤمنين عليه‌السلام.

قال صاحب الحدائق الورديّة : وكان شوذب يجلس للشيعة فيأتونه للحديث وكان وجهاً فيهم.

وقال أبو مخنف : صحب شوذب عابساً مولاه من الكوفة إلى مكّة بعد قدوم مسلم إلى الكوفة بكتاب لمسلم ووفادة على الحسين عليه‌السلام عن أهل الكوفة وبقي معه حتّى جاء إلى كربلاء (١).

__________________

(١) إبصار العين ، ص ٧٦. عدّه الشيخ وغير من أصحاب الحسين عليه‌السلام. وشوذب ـ بفتح المعجمة والواو الساكنة والذال المعجمة المفتوحة بعدها الباء الموحّدة ـ وهو في الأصل الطويل الحسن الخلق سمّي به.

٢٢١
 &

وتأتي في ترجمة عابس محادثته معه.

ويقول في نفس المهموم : قال شيخنا الأجل المحدّث النوري صاحب المستدرك عليه الرحمة : ولعلّ كان مقامه أعلى من مقام عابس (١).

والشاكري منسوب إلى شاكر بن ربيعة بن مالك بطن من قبيلة همدان في اليمن ، وقال : كان شوذب متقدّماً في الشيعة.

__________________

(١) نفس المهموم ، ص ٢٥٥.

٢٢٢
 &

حرف الصاد

خالٍ.

حرف الضاد

٨٩ ـ ضرغامة بن مالك

ذكره الشيخ والتفرشي والمامقاني في أصحاب الحسين عليه‌السلام (١).

وقال أبو علي في رجاله : ضرغامة بن مالك التغلبي من أصحاب الحسين عليه‌السلام قُتل معه بكربلاء.

وقال السماوي في إبصار العين : كان كاسمه ضرغاماً (شجاعاً مُردي الأُسود وفارساً يهدم الجنود) وكان من شيعة ممّن بايع مسلماً ، فلمّا خذل خرج فيمن خرج مع ابن سعد ومال إلى الحسين عليه‌السلام فقاتل معه وقُتل بين يديه مبارزة بعد صلاة الظهر رضي‌الله‌عنه (٢).

وقال في منتهى الآمال : قال ابن شهر آشوب : استشهد في الحملة الأُولى (٣) ، إلّا

__________________

(١) رجال الطوسي ، ص ١٠٢ ؛ نقد الرجال ، ج ٢ ص ٤٢٩.

(٢) إبصار العين ، ص ١١٤.

(٣) نسب ابن شهرآشوب الرجز إلى مالك بن دودان ، ج ٣ ص ٢٥٣.

٢٢٣
 &

أنّ أبا مخنف جعل شهادته بعد الصلاة الظهر فقد حمل عليهم وهو يرتجز :

إليكم من ابن مالك ضرغام

ضرب فتّى يحمي عن الكرام

يرجو ثواب الله بالتمام

سبحانه من ملك علّام

قال : فقاتل الرجل الباسل ، وصبر على الخطب الهائل حتّى قتل منهم ستّين فارساً سوى من جرح إلى أن استشهد.

وإن نسيت فلا أنسى الحسين وقد

أناخ بالطفّ ركب الهمّ والهمم

غداة فاضت عليه كلّ مشرعة

بكلّ جيشٍ كموج البحر ملتطم

غداة خاض غبار النقع مبتدراً

كالبدر يسبح في جُنح من الظلم

غداة حفّت به من رهطه نفر

شمّ الأُنوف أُنوف العزّ والشّيم

أقوام مجد زكت أطراف محتدهم

من هاشم ورجال السيف والقلم

وأمّا الضحّاك بن عمرو بن قيس بن عبدالله المشرفي الهمداني ليس من شرط كتابنا (١) ، لأنّه كان من أصحاب الحسين ولكنّه غدر به وترك الإمام وقد أحاط به العدوّ وهرب من كربلاء كما حدّث بذلك الطبري عن لوط بن يحيى الأزدي

__________________

(١) قال الشيخ الكشّي في رجاله : وجدت بخطّ محمّد بن عمر السمرقندي قال : حدّثني بعض أصحابنا عن أبي الجارود عن الضحّاك بن قيس بن عبدالله المشرفي الهمداني قال : دخلت على الحسين بن عليّ عليهما‌السلام أنا ومالك بن نصر الأرحبي في قصر بني مقاتل فسلّمنا عليه ، فقال له مالك ابن النسر الأرحبي : يا أبا عبدالله ، هذا الذي أراه خضاب أو سواد شعرك ؟ فقال عليه‌السلام : خضاب ، والشيب علينا بني هاشم أسرع وأعجل ، ثمّ أقبل علينا فقال : جئتما لنصرتي ؟ فقال مالك بن نسر : أنا رجل كبير السنّ كثير العيال ، في يدي بضائع للناس ولا أدري ما يكون وأكره أن تضيع أمانتي. فقال له : إذاً انطلق فلا تسمع لي واعية ولا ترى سواداً فإنّه من سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجب واعينا كان حقّ على الله أن يكبّه على منخريه في نار جهنّم. (راجع مستدركات علم رجال الحديث ، ص ٣٧٧)

٢٢٤
 &

المعروف بأبي مخنف ، قال : حدّثني عبدالله بن عاصم قال : لقي الضحّاك بن عمرو بن عبدالله بن قيس المشرفي الهمداني مع مالك بن نسر الأرحبي في قصر بني مقاتل الحسين بن عليّ عليهما‌السلام فسلّما عليه ودعاهما إلى نصرته ، فاعتذر مالك ابن نسر الأرحبي بالعيال وتقدّم السنّ ، وقال : للناس عليّ ديون فأنا وفّيها إليهم ، وقال الضحّاك : أنا أُجيبك على شرط أنّ لي تركك إذا لم يغن جهادي عنك ، فأجابني إلى ذلك.

قال أبو مخنف : حدّثني عبدالله بن عاصم عن الضحّاك بن عبدالله المشرقي قال : لمّا رأيت أصحاب الحسين عليه‌السلام قد أُصيبوا وقد خلص إليه وإلى أهل بيته ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبي مطاع الخثعمي وبشير بن عمرو الحضرمي ، قلت له : يابن رسول الله ، قد علمت ما كان بيني وبينك ، قلت لك : أُقاتل عنك ما رأيت مقاتلاً فإذا لم أر مقاتلاً فأنا في حلّ من الانصراف ، فقلت لي نعم ، قال : فقال : صدقت وكيف لك بالنجاء إن قدرت على ذلك فأنت في حلّ ، قال : فأقبلت إلى فرسي وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر ، أقبلت بها حتّى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت وأقبلت أُقاتل معهم راجلاً فقتلت يومئذٍ بين يدي الحسين رجلين وقطعت يد آخر ، وقال لي الحسين يومئذٍ مراراً : لا تشلل ، لا يقطع الله يدك ، جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيّك صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط ثمّ استويت على متنها ثمّ ضربتها حتّى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القوم فأرجوا لي وأتبعني منهم خمسة عشر رجلاً حتّى انتهيت إلى شفيّة قرية قريبة من الفرات فلمّا لحقوني عطفت عليهم فعرفني كثيّر ابن عبدالله الشعبي وأيّوب من مشرح الخيواني وقبس بن عبدالله الصائدي ، فقالوا :

٢٢٥
 &

هذا الضحّاك بن عبدالله المشرقي ، هذا ابن عمّنا ، ننشدكم الله لمّا كففتم عنه ، فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم : بلى والله لنجيبنّ إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبّوا من الكفّ عن صاحبهم. قال : فلمّا تابع التميميّون أصحابي كفّ الآخرون فنجّاني الله (١).

٩٠ ـ ضبيعة بن عمرو

يوجد له ذكر في الزيارة الرجبيّة : « السلام على ضبيعة بن عمرو » لا غير ، أمّا في كتب الرجال فلا ذكر له.

__________________

(١) تاريخ الطبري ، ج ٤ ص ٣٢٩.

٢٢٦
 &

حرف الطاء

٩١ ـ طرمّاح بن عدي

قال الشيخ الطوسي في رجاله (١) : الطرمّاح بن عدي رسوله إلى معاوية (٢) وعدّه

__________________

(١) رجال الطوسي ، ص ٧٠.

(٢) ذكر هذا الكتاب المجلسي في ثامن البحار وذكره أيضاً الحاجي ملّا شريف الشيرواني في درّة الصدف ونحن نسوق هنا رواية درّة الصدف ، قال : لمّا فرغ الإمام من حرب الجمل وعاد إلى الكوفة كتب إليه معاوية كتاباً قال فيه :

«بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبدالله معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب ، أمّا بعد ، فقد اتّبعت ما يضرّك وتركت ما ينفعك ، وخالفت كتاب الله وسنّة محمّد ، وقتلت طلحة والزبير ، وحاربت أُمّ المؤمنين ، وكان رسول الله يباهي بهم ، فوالله لأرمينّك بشهاب لا يطفيه الماء ، ولا تزعزعه الرياح ، إذا وقع وقب وإذا وقب ثقب ، وإذا ثقب التهب ، فلا تغرّنّك الجيوش ، واستعدّ للحرب ، والسلام ».

فلمّا وصل الكتاب إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فكّه وقرأه فدعا بقرطاس ودواة وكتب :

« بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبدالله وابن عبده عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أمير المؤمنين أخ الرسول وزوج البتول وأب السبطين الحسن والحسين إلى معاوية بن أبي سفيان ، أمّا بعد ، فإنّي أفنيت قومك يوم بدر ، وقتلت جدّك وعمّك وخالك ، والسيف الذي قتلتهم به هو معي يحمله ساعدي وقوّة من يدي كما جعله النبيّ في كفّي ، ونصرة من ربّي تبارك وتعالى ، فوالله ما استبدلت بالله ربّاً ، ولا بمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله نبيّاً ، ولا بسيف بدلاً ، فبالغ من رأيك واجهد ولا تنقص فقد استحوذ عليك

=

٢٢٧
 &

.............................................

__________________

= الشيطان واستفزّك الجهل والطغيان ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ».

ثمّ طوى عليه‌السلام كتابه ودعى برجل من أصحابه يقال له : الطرمّاح بن عدي ، وكان رجلاً جسيماً طويلاً فصيحاً متكلّماً لسناً ، لا يكلّ لسانه في الكلام ، ولا يملّ عن الجواب ، فعمّمه بعمامة وأركبه على جمل بازل فائق أحمر ، فسوّى راحلته ووجّهه إلى دمشق ، فسأل عن بوّاب معاوية من أصحابه ، فقيل له : من تريد ؟ فقال له : أُريد جعثماً وجرولاً وخاشناً وفاحماً أبو الأعور السلمي وأبو هريرة الدوسي ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص.

قال : هم بباب الخضراء ببستان يتنزّهون ، فانطلق طرمّاح حتّى أشرف على ذلك المكان فإذا القوم ببابه ، قالوا : يا أعرابي ، هل عندك خبر من السماء ؟ قال : بلى ، الله في السماء وملك الموت في الهواء ، وسيف عليّ عليه‌السلام في القفا ، فاستعدّوا لما ينزل عليكم من البلاء يا أهل النفاق والشقاء. فقالوا : من أين أقبلت ؟ قال : من عند حرّ تقيّ زكيّ مرضيّ. قالوا : من تريد ؟ قال : هذا الدعيّ الرديّ الذي تزعمون أنّه أميركم ، فعلموا أنّه رسول أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى معاوية ، فقالوا : ما تريد منه ؟ قال : أُريد الدخول عليه ، فقالوا : عنك مشغول ، قال : بماذا ؟ أبوعد أم وعيد ؟ قالوا : لا ولكن يشاور أصحابه يما يكفيه غداً ، قال : فسُحقاً له.

فكتبوا بخبره إلى معاوية : أمّا بعد ، فقد ورد من عند عليّ بن أبي طالب رجل أعرابيّ بدويّ له لسان فصيح وقول مليح ، طلق زلق ، يتكلّم ولا يكلّ ، يطول ولا يملّ ، فاستعدّ لجوابه كلاماً بالغاً ، ولا تكن عنه ساعياً غافلاً ، والسلام.

فلمّا علم الطرمّاح بذلك أناخ راحلته ونزل عنها وعقلها وجلس مع القوم الذين يتحدّثون ، فلمّا بلغ الخبر إلى معاوية أمر ابنه يزيد لعنه الله يضرب المصاف على داره وكان على وجه يزيد أثر الضرب وإذا تكلّم كان جهير الصوت ، فأمر يزيد بضرب المصاف على باب داره ففعلوا ذلك ، فقالوا للطرمّاح : هل لك أن تدخل معاوية ؟ فقال : لهذا جئت ، وبهذا أُمرت إليهم ومشى ، فلمّا رأى أصحاب والمصاف وعليهم ثياب سود ، فقال : من هؤلاء القوم كأنّهم زبانية مالك في ضيق المسالك ، فلمّا دنى نظر إلى يزيد وقال : من هذا الميشوم الواسع الحلقوم المضروب على الخرطوم ، فقالوا : هذا يزيد ، فقال : لا زاد الله زاده ، ولا بلغ مراده ، فسمع يزيد بذلك وقصد قتله ثمّ كره أن يحدث أمراً دون أبيه ، فكظم غيظه وأطفأ ناره وسلّم عليه ، وقال : يا أعرابي ، إنّ أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ، قال : سلامه معي من الكوفة ، قال يزيد : سلني ما شئت فقد

=

٢٢٨
 &

........................................

__________________

= أُمرت بقضاء حاجتك ، قال : حاجتي أن يقوم من مقامه حتّى يجلس من هو أولى في هذا المقام ، فقال : ثمّ ما تريد ؟ قال : الدخول عليه.

فأمر برفع الحجاب وأدخله على معاوية ، فلمّا دخل عليه الطرمّاح وهو متنعّل ، قالوا : اخلع نعليك ، فالتفت يميناً وشمالاً ثمّ قال : هذا الوادي المقدّس فأخلع نعلي ، فنظر إلى معاوية قاعداً على السرير مع قوّاد عساكره وحاشيته ، فمثل بين يديه فقال : السلام عليك أيّها الملك العاصي ، فقال معاوية : ويحك يا أعرابي ! ما منعك أن تسلّمني (كذا) بإمرة المؤمنين ، قال : ثكلتك أُمّك ، نحن المؤمنون فمن أمّرك علينا ؟ قال : ما معك ؟ قال : كتاب مختوم من إمام معصوم. قال : ناولنيه ، قال : أكره أن أطأ فراشك ، قال : ناوله وزيري وأشار إلى عمرو بن العاص ، فقال : هيهات ، ظلم الأمير وخان الوزير ، فقال : ناوله إلى ولدي يزيد ، قال : ما فرحنا بإبليس كيف نفرح بأولاده ، قال : ناوله مملوكي وأشار إلى غلام له قائم على رأسه ، قال : مملوك اشترى من مال استخرج من غير حقّ ، قال : ويحك يا أعرابي ! ما الحيلة في أخذ الكتاب منك ؟ قال : أن تقوم من مقامك وتأخذ الكتاب بيدك على كره منك فإنّه كتاب رجل كريم وسيّد عليم.

فلمّا سمع معاوية هذا وثب من مكانه وأخذ الكتاب وقرأه ووضعه تحت ركبته ثمّ قال : كيف خلّفت عليّاً بن أبي طالب ؟ قال : خلّفته كالبدر الطالع ، حواليه أصحابه كالنجوم ، إذا أمرهم أمراً ابتدروا به ، وإن نهاهم عن شيء لم يباشروه ، بطل شجاع ، أن لقي حصناً هدمه وألقاه ، وإن لقي قرناً صلبه وأخزاه ، وإن لقي عدوّاً صلبه وأفناه. قال معاوية : فكيف خلّفت الحسن والحسين ؟ قال : خلّفتهما شابّين تقيّين نقيّين أديبين خطيبين سيّدين سندين طيّبين طاهرين ، فاضلين كاملين عاملين ، يصلحان للدنيا والآخرة.

قال : ما أفصحك يا أعرابي ، فقال : لو بلغت باب أمير المؤمنين عليه‌السلام لرأيت الفصحاء البلغاء الفقهاء العلماء النجباء الأُدباء الأتقياء الأصفياء لغرقت في بحر عميق لا تنجو من لجّته يا معاوية.

قال عمرو بن العاص لمعاوية : هذا رجل بدويّ لو أرضيته بالمال ليقول فيك خيراً ، فقال معاوية : يا أعرابي ، ما تقول في الجائزة تأخذها منّي ، قال : إنّي أُريد استقباض روحك من بدنك وكيف باستقبال مالك ، فأمر له بعشرة آلاف درهم ، قال : أتحبّ أن أزيدك ، قال : زدنا فإنّك لا تعطيه من مال أبيك وأنا والله أولى من يزيد ، فأمر له بعشرة آلاف درهم ، ثمّ قال الطرمّاح : إنّ الله وتر يحبّ الوتر ، قال معاوية : أعطوه عشرة آلاف أيضاً ، فأبطأ الخازن عليه ساعة فمدّ الطرمّاح بطره إلى

=

٢٢٩
 &

......................................................

__________________

= أبراده فقال لمعاوية : أظنّك بما أمرت لي كريح تهبّ من قلل ، قال : لِمَ ؟ قال : لأنّك أمرت لي بجائزة لا أراها ولا تراها ، فأمر معاوية أن يسرع بإيرادها فوضعت بين يديه ، فلمّا قبض الدراهم سكت ولم يتكلّم بعد ذلك.

فقال عمرو بن العاص : كيف ترى جائزة أمير المؤمنين ؟ قال : هذا مال المسلمين من خزائن ربّ العالمين أخذه عبد من عباده الصالحين.

فالتفت معاوية إلى كاتبه فقال : اكتب جواب كتابه ، فوالله لقد أظلم الدنيا عليّ ، فأخذ الكاتب القرطاس وكتب :

« بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبدالله وابن عبده معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب : أمّا بعد فإنّي آتي بجنود إليك من جنود الشام كانت مقدّمتها بالكوفة وساقتها بساحل البحر ، ولأرينّك ألف جبل من خردل تحت كلّ خردل ألف مقاتل ».

فلمّا نظر الطرمّاح إلى الكاتب وما خرج من تحت قلمه ، قال : سبحان الله ! ما أدري أيّكما أكذب ، أنت وادّعائك الخلافة أم كاتبك وما خرج من تحت قلمه ، لو اجتمع أهل المشرق والمغرب لن يقوم مقامه.

فقال معاوية : لقد كتب بغير أمري ، فقال : إن كتب بما لم تأمره فقد استضعفك ، وإن كتب بما أمرته فقد استفضحك. ثمّ قال الطرمّاح : إنّ لعليّ بن أبي طالب ديكاً أعلى الصوت ، عظيم المنقار ، يلتقط بخيشومه ويضرب بقانصته ، ويحيط بحوصلته. فقال معاوية : والله إنّه لذلك وهو مالك الأشتر النخعي. ثمّ قال : رح بسلام منّى ، فأخذ الكتاب وحمل المال وخرج من عنده وركب مطيّته وسار ، ثمّ التفت معاوية إلى أصحابه فقال : لو أُعطيت جميع مالي لرجل منكم لا يؤدّي عُشر ما أدّى هذا الرجل عن صاحبه ، فوالله لقد ضيّق الدنيا عليّ بحذافيره.

فقال عمرو بن العاص : لو أنّ لك منزلة من النبي كمنزلة ابن عمّه وكنت على الحقّ لأدّينا عنك بأفضل من ذلك أضعافاً مضاعفة ، فقال معاوية : فضّ الله فاك ، فوالله لكلامك عليّ أشدّ من كلامه. (منه رحمه‌الله)

أقول أنا مترجم : راجع نحواً من هذه الحكاية في بحار الأنوار ج ٣٣ ص ٢٨٩ وعفى الله عن المؤلّف حين ينقلها في كتابه مع علمه بوضعها لأنّه ناقد ينقد المعاني ، خبير بصحّتها وسقمها ، وغثّها وسمينها ، فهو وإن كان نقلها في الهامش إلّا أنّها فيما يظهر لي معتمدة لديه أراد أن يتحف

=

٢٣٠
 &

من أصحاب الحسين عليه‌السلام وكذلك ورد ذكره في رجال التفرشي.

وقال المقامقاني : الطرمّاح بن عدي غاية في الجلالة والنبل والشرف ، ويكفيه حواره مع معاوية حيث أظلم الدنيا بعينيه ، ولازم الحسين عليه‌السلام حتّى إذا كان يوم العاشر قاتل قتالاً شديداً وجرح جراحات منكرة ، ووقع من على ظهر فرسه وبه رمق فاحتمله قومه وعالجوه حتّى برئ وبقي على ولائه وإخلاصه حتّى فارق الدنيا.

ويظهر من هذه العباراة أنّ الطرمّاح لم يستشهد في معركة الطفّ ولكن هذا معارض بما أورده ابو مخنف في المقتل من أنّ الطرمّاح قُتل في كربلاء (١). يقول : فبرز من بعده الطرمّاح بن عدي رضي‌الله‌عنه وأنشأ بهذه الأبيات :

إنّي طرمّاح شديد الضرب

وقد وثقت بالإله الربّ

إذا انتضيت في الهياج عضبي

يخشى قريني في القتال غلبي

فدونكم فقد قسست قلبي

على الطفات أو بذاك صلبي

قال : ثمّ حمل على القوم ولم يزل يقاتل حتّى قتل سبعين فارساً وكبا به جواده فأراده إلى الأرض صريعاً فأحاطت به القوم (كذا) واحتزّوا رأسه (٢).

ونقله في ناسخ التواريخ بالسياق نفسه ص ٢٧٨ ، قال بعد ذكره الرجز : وحمل على القوم كالأسد الجريح الذي تجاوز نفسه أو النمر الذي أُطلق بعد عقال أو

__________________

= بها قرّائه ولكن قاته أنّه تصبّ في صالح بان هند الذي أُعطي الحلم العجيب على هذا الأعرابي والكرم الغريب ، وأُعطي رسول أمير المؤمنين البذائة والجشع لأنّه يذري السباب على معاوية وأصحابه فلا يجيبونه إلّا بأحسن القول ، ويستبطئ الصلة ويستعجلها ، ويستقلّها ويطلب المزيد ، وفي كلّ ذلك ينعم له معاوية ، فمن أين جائه هذا الحلم وهذا الكرم ليت شعري.

(١) وهذا بعكس ما جاء في مقتل أبي مخنف ، راجع ص ٨٨ إلى ص ٩٠ منه.

(٢) أقول : هذا ينافي ما سبق من أنّه لم يدرك القتال في كربلاء.

٢٣١
 &

الرجل قُتل أبوه ، فقلب الميمنة على الميسرة ، وقتل الفرس والفارس حتّى بلغ قتلاه سبعين لعيناً ، وبينما هو في قلب المعركة وقد حمي وطيسها إذ كبى به جواده فأحاط به العدوّ واحتزّوا رأسه رحمة الله عليه.

ويقول اليزدي في « مخزن البكاء » : وتقدّم الطرمّاح إلى ميدان القتال وقاتل قتالاً شديداً إلى أن استشهد.

ويقول في منتهى الآمال : ولمّا بلغ سيّد الشهداء عُذيب الهجانات رأى راكبين أربعاً مُقبلين من ناحية الكوفة على هجنهم ويقودون فرساً لنافع بن هلال ودليلهم الطرمّاح.

ويظهر من هذه الرواية لحوق الطرمّاح بالحسين عليه‌السلام في عُذيب الهجانات.

وفي رواية البحار عن مقتل محمّد بن أبي طالب : لمّا ألحّ الحرّ على الحسين بالنزول وضايقه مضايقة شديدة ، أقبل الحسين عليه‌السلام على أصحابه وقال : هل فيكم أحد يعرف الطريق على غير الجادّة ؟ فقال الطرّماح : نعم يابن رسول الله ، أنا أخبر الطريق ، فقال الحسين عليه‌السلام ... فسار الطرمّاح وأتبعه الحسين عليه‌السلام وأصحابه ، وجعل الطرمّاح يرتجز ويقول :

يا ناقتي لا تذعري من زجري

وامضي بنا قبل طلوع الفجر

بخير فتيان وخير سفر

آل رسول الله آل الفخر

السادة البيض الوجوه الزُّهْر

الطاعنين بالرماح السُّمر

الضاربين بالسيوف البتر

حتّى تحلّي بكريم الفخر

الماجد الجدّ رحيب الصدر

أثابه الله لخير أمر

عمّره الله بقاء الدهر

يا مالك النفع معاً والضُّرِّ

أيّد حسيناً سيّدي بالنصر

أيّد حسيناً سيّدي بالنصر

على الطُّغاة من بقايا الكفر

على اللعينين سليلَي صخر

٢٣٢
 &

يزيد لا زال حليف الخمر

وابن زياد عهر ابن العهر (١)

وفي ناسخ التواريخ عن أبي مخنف روى أنّ الطرمّاح بن عدي قال : أُصبت بجراح منكرة يوم الطفّ فوقعت بين القتلى ولم يكن أحد يحسبني في الأحياء ، وأُقسم بأنّي لم أقل إلّا الحقّ فرأيت وأنا في حال اليقظة التامّة عشرين راكباً قد أقبلوا وعليهم الثياب البيض وقد سطعت روائح المسك منهم حتّى ملأت المكان ، فقلت : يوشك أن يكون هذا عبيدالله بن زياد قد جاء ليمثّل بجسد الحسين عليه‌السلام ، ثمّ رأيت أحدهم قد دنى من جسد الحسين عليه‌السلام وترجّل وجلس عند الجسد وكانت الرؤوس ساعتئذٍ تحمل إلى الكوفة.

فأشار هذا الجالس إلى جهة الكوفة وإذا بالرأس الشريف قد التحق بالجسد وراح ذلك الجالس يخاطبه ويقول : يا ولدي ، قتلوك ، أتراهم ما عرفوك ، ومن شرب الماء منعوك ، وما أشدّ جرأتهم على الله (القاهر الغالب) ثمّ رمق الحاضرين معه بنظرة : يا أبي آدم ، ويا أبي إبراهيم ، ويا أبي إسماعيل ، ويا أخويّ موسى وعيسى ، ألا تحزنكم ما فعلته أُمّتي بولدي ، لا أنالهم الله شفاعتي.

قال الطرمّاح : فعلمت أنّه رسول الله (٢).

أقول : وقع الخلاف فيما نحن فيه من عدّة وجوه :

__________________

(١) بحار الأنوار ، ج ٤٤ ص ٢٧٩.

(٢) أقول : جاء في بحار الأنوار نظير هذا عن هند زوجة يزيد قالت : كنت آخذ مضجعي فرأيت باباً من السماء وقد فتحت ، والملائكة ينزلون كتائب إلى رأس الحسين وهم يقولون : السلام عليك يا أبا عبدالله ، السلام عليك يابن رسول الله ، فبينما أنا كذلك إذ نظرت إلى سحابة قد نزلت من السماء وفيها رجال كثيرون وفيهم رجل درّيّ اللون قمريّ الوجه فأقبل يسعى حتّى انكبّ على ثنايا الحسين يقبّلهما وهو يقول : يا ولدي قتلوك ، أتراهم ما عرفوك ، ومن شرب الماء منعوك ، يا ولدي أنا جدّك رسول الله ، وهذا أبوك عليّ المرتضى ، وهذا أخوك الحسن .. الخ. (البحار ، ج ٤٥ ص ١٩٤)

٢٣٣
 &

الأوّل : هل الطرمّاح هذا هو ابن عدي بن حاتم الطائي أو غيره كما شوهد في كثير العبارات ؟ نعم هو ابن عدي وليس ابن حاتم لأنّ لعدي ثلاثة أولاد أحدهم طرفة ، والثاني طريف ، والثالث مطرف ، وهؤلاء الثلاثة كانوا مع أمير المؤمنين عليه‌السلام ونالوا الشهادة بين يديه ، وكان قد أُوذي من أهل الكوفة في أولاده وهو من أشرافهم حتّى قيل له : احترق بنارهم أو مت كمداً ، فكان يجيبهم : تمنّيت أنّ لي ألفاً من الولد مثلهم فأُقدّمهم بين يدي أمير المؤمنين مولاي ليسبقوني إلى الجنّة.

وقال له معاوية أيضاً في أحد مجالسه : ما أنصفك عليّ لأنّ ولديه الحسن والحسين سلما من القتل ووقع على أولادك ! فقال عدي : بل أنا والله ما أنصفته لأنّه قُتل وبقيت حيّاً بعده.

وعلى كلّ حال فقد انقطع نسله بعد أولاده الثلاثة وتوفّي ولا عقب له ، ولكن المامقاني ذكره له ولداً اسمه محمّد ، كما قال في ترجمته : عدي بن حاتم من أصحاب رسول الله ومن السابقين الأوّلين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين وثبت على العهد لم يحل ولم يزل ، وكان عدي رجلاً شريفاً جواداً عظيم المنزلة وحاضر البديهة ، ذهبت إحدى عينيه في حرب الجمل ، واستشهد ولده محمّد في حرب صفّين والتحق بعد شهادة الإمام أمير المؤمنين بالحسن عليه‌السلام وتوفّي بعد أن عمّر وبلغ من السنين مائة وعشرين سنة عام سبع وستّين أو ثمانٍ وستّين في مدينة الكوفة. وقال : إنّي أعتبره على جانب عظيم من الوثاقة والوجاهة.

وفي الجزء الأوّل من منتهى الآمال ذكر له ترجمة وافية وكذلك في تحفة الأحباب (١).

__________________

(١) منتهى الآمال ، ج ١ ص ٣٣٢.

٢٣٤
 &

الثاني : هل صحب الطرمّاح الإمام إلى كربلاء وقاتل معه ـ كما سبق وسمعتم ـ أو أنّه التقى به على نحو الصدفة وكلّمه ثمّ توجّه تلقاء قبيلته ـ كما في نفس المهموم ص ١٠٤ (١) ـ أنّ الطرمّاح بن عدي لم يحضر وقعة الطفّ ولم يكن من الشهداء بل لمّا سمع خبر شهادة الحسين رجع إلى مكانه.

أقول : يصحّ قول الشيخ إذا اعتبرنا الطرمّاح مع الحكم مع ابن عدي واحداً وبما أنّه نقل حكاية الطرمّاح بن الحكم باسم ابن عدي من ثمّ نفى شهادته بالطفّ وحكاية الطرمّاح بن الحكم كما يلي : قال صاحب ناسخ التواريخ : جاء في الخبر أنّ الطرمّاح بن الحكم كان يحمل لأهله الميرة ويريدهم بها وكان من عادة أهل أجاء (٢) وفيد أن يدّخروا لأنفسهم طعام حول كامل بل يدّخرون المؤون والعلف لزائري بيت الله في فيد ويعرضونه للبيع.

ومجمل القول أنّ الطرمّاح التقى بالإمام عليه‌السلام بعد قتل قيس بن مسهّر ، فقال (٣) : يابن رسول الله ، إنّي لا أرى معك من يحميك ، وإن لم يكن لك سواهم فإنّي أخاف عليك أن لا تبلغ الكوفة ، ولقد رأيت قبل رحيلي عن الكوفة بيوم في ظهر الكوفة جموعاً غفيرة لم أر مثلهم حتّى اليوم فسألت : ما يفعل هؤلاء ؟ قيل لي : يعدّون العدّة لحرب الحسين عليه‌السلام ، وأنا أُقسم عليك بالله إن استطعت أن لا تتقدّم نحوهم بشبر ، وإن شئت بلداً منيعاً يقيك بأس العدوّ حتّى ترى ما يؤول إليه أمر القوم وتسنح لك الفرصة وتستقبل أمرك على بصيرة فإنّي أتقدّم إليك بمشورة إن

__________________

(١) نفس المهموم ، ص ١٧٦ ط المطبعة الحيدريّة سنة ١٤٢١ هجريّة.

(٢) أجاء وزان قضاء مهموز ومقصور اسم جبل من جبال قبيلة طي يقع غربي « فيد » وهو على وزن قيد ، يقع في منتصف الطريق بين مكّة والكوفة. (منه)

(٣) أُذكّرك في نفسك لا يغيرنّك أهل الكوفة لئن دخلتها لتقتلنّ وإنّي لأخاف أن لا تصل إليها فإن كنت مجمعاً على الحرب فانزل أجأ فإنّه جبل منيع والله ما نالنا فيه. (منه)

٢٣٥
 &

قبلتها أن تذهب معي إلى جبلنا « أجاء » لأنّه جبل منيع ولأنّنا امتنعنا به من ملوك غسّان وحمير ومن النعمان بن المنذر ومن شرّ الأحمر والأصغر فما ذللنا ولا هنّا أبداً ، فهلمّ معي يا سيّدي حتّى أُنزلك به ويرتاح بالك ، فلن تمرّ أيّام حتّى تقبل عليك جموع طيّئ المقيمين في « أجاء وسلمى » رجالاً وفرساناً وتحيط بك فأقم ما شئت بيننا فإذا قصدك العدوّ بسوء فأنا أتعهّد لك بعشرين ألفاً من الرجال الأشدّاء المقاتلين من طيّئ يقاتلون بين يديك ويمنعوك أن تصل إليك يد بسوء ما كانت فيهم عين تطرف.

فقال له الإمام عليه‌السلام : جزاك الله وقبيلتك خير جزاء المحسنين ، إنّ بيني وبين القوم موعداً لا بدّ من بلوغه فإنّ عافانا الله من بأس العدوّ وحمانا من شرّه وإن قضى علينا بغير ذلك فسوف نفوز بالشهادة والسعادة (١).

__________________

(١) ورد جانب من ذلك في بحار الأنوار ج ٤٤ ص ٣٦٩ ونحن نسوق لك رواية أبي مخنف لتستغني بها عمّا ترجمناه من ناسخ التواريخ. قال أبو مخنف : حدّثني جميل بن مرثد من بني معن عن الطرمّاح بن عدي أنّه دنا من الحسين فقال له : والله إنّي لأنظر فما أرى معك أحداً ، ولو لم يقاتلك إلّا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي في صعيد واحد جمعاً أكثر منه فسألت عنهم ، فقيل : اجتموا لي اعرضوا ثمّ يسرحون إلى الحسين ، فأنشدك الله إن قدرت على أن لا تقدم عليهم شبراً إلّا فعلت ، فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتّى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتّى أنزلك مناع جبلنا الذي يُدعى أجاء ، امتنعنا والله به من ملوك غسّان وحمير ومن النعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر ، والله إن دخل علينا ذلّ قط فأسير معك حتّى أنزلك القرية ثمّ نبعث الرجال ممّن بأجاء وسلمى من طيّئ فوالله لا يأتي عليك عشرة أيّام حتّى يأتيك طيّئ رجالاً وركباناً ثمّ أقم فينا ما بدا لك ، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائيّ يضربون بين يديك بأسيافهم ، والله لا يوصل إليك أبداً وفيهم عين تطرف.

فقال له : جزاك الله وقومك خيراً ، إنّه كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على

=

٢٣٦
 &

قال أبو مخنف : فحدّثني جميل بن مرثد قال : حدّثني الطرمّاح بن عدي : فودّعته وقلت له : دفع الله عنك شرّ الجنّ والإنس ، إنّي قد امترت لأهلي من الكوفة ميرة ومعي نفقة لهم فآتيهم فأضع ذلك فيهم ، ثمّ أقبل إليك إن شاء الله فإن ألحقك فوالله لأكوننّ من أنصارك.

قال عليه‌السلام : (فإن كنت فاعلاً فعجّل رحمك الله).

قال : فعلمت أنّه مستوحش إلى الرحال حتّى يسألني التعجيل ، قال : فلمّا بلغت أهلي وضعت عندهم ما يصلحهم وأوصيت ، فأخذ أهلي يقولون : إنّك لتصنع مرّتك هذه شيئاً ما كنت تصنعه قبل اليوم ، فأخبرتهم بما أُريد وأقبلت في طريق بني ثعل حتّى إذا دنوت من عُذيب « الهجانات » استقبلني « سماعة بن بدر » فنعاه إليّ فرجعت (١).

فظهر ممّا تقدّم أنّ صاحب هذا الخبر هو الطرمّاح بن الحكم لا الطرمّاح بن عدي.

الثالث : في موت الطرمّاح في المعركة وعدمه فهل يا ترى حمله قومه من المعركة وداووه حتّى برئ ـ كما نقلنا ذلك في صدر ترجمته عن المامقاني ـ أو أنّهم احتزّوا رأسه في نفس الوقت كما قال ذلك آخرون. وبناءاً على المعنى الأوّل المنقول عنه من رؤية الفرسان العشرين ثمّ تبيّن أنّه النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا استبعاد في ذلك ، وبناءاً على المعنى الثاني فإنّه ساقط عن الاعتبار ، والله أعلم بحقيقة الحال.

__________________

= الانصراف ولا ندري علا تتصرّف بنا وبهم الأُمور في عاقبه. (راجع : مقتل أبي مخنف ، ص ٨٨ ولك أن تعرض عن الترجمة لهذه الرواية وتستغني بما رواه أبو مخنف فلست أرى فرقاً يذكر بين الحكايتين.

(١) مقتل أبي مخنف ، ص ٨٨ ؛ تاريخ الطبري ، ج ٣ ص ٣٠٧.

٢٣٧
 &

حرف الظاء

٩٢ ـ ظهير بن حسّان الأسدي

لن ينصّ على شهادته إلّا كتاب رياض الشهادة ص ١٢٢ فقد عدّه من شهداء كربلاء ، والله الأعلم.

٢٣٨
 &

حرف العين

٩٣ ـ عائذ بن مجمع بن عبدالله

يأتي في ترجمة مجمع إن شاء الله تعالى.

٩٤ ـ عابس بن شبيب

في زيارة الناحية المقدّسة : « السلام على عابس بن شبيب الشاكري » وكذا في الزيارة الرجبيّة.

كان عابس بن شبيب من الشجعان المعدودين والفرسان المقاتلين ومن الشيعة المخلصين ، وكان رجلاً عابداً (١) متهجّداً يحيي الليل كلّه بالعبادة ، وكان في ولائه

__________________

(١) عابس بن شبيب بن شاكر بن مالك بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد الهمداني الشاكري ، وبنو شاكر بطن من همدان ، هكذا في أُسد الغابة لابن الأثير الجزري. (منه رحمه‌الله)

عن حميد بن أحمد في كتاب الحدائق الورديّة قال : إنّ عابساً كان من رجال الشيعة وكان رئيساً شجاعاً خطيباً ناسكاً متهجّداً وكانت بنو شاكر من المخلصين بولاء أهل البيت خصوصاً أمير المؤمنين عليه‌السلام وفيهم يقول عليه‌السلام يوم صفّين : بنو شاكر لو تمّت عدّتهم ألفاً لعُبِد الله حقّ عبادته وكانوا من شجعان العرب وكانوا يُلقَّبون « فتيان الصباح » وقيل لعابس : الشاكر الوادي. (منه رحمه‌الله) راجع : إبصار العين ، ص ٧٤.

=

٢٣٩
 &

لحيدرة الكرّار من الطراز الأوّل.

وعن الحدائق الورديّة : إنّ عابساً من زعماء الشيعة ومن بني شاكر الذين قال فيهم أمير المؤمنين ـ بناءاً على ما نقله نصر بن مزاحم في كتاب صفّين ـ : بنو شاكر لو تمّت عدّتهم لعُبِد الله حقّ عبادته.

وكان عابس من فتيان الصباح وهو شاكريّ وادعيّ يُدعى باسم قبيلته.

قال أبو مخنف : لمّا نزل مسلم دار المختار وبايعه ثمانية عشر ألف مبايع من هؤلاء عابس بن شبيب ، قام فيهم خطيباً وخطبهم خطبة غاية في الفصاحة والبلاغة ثمّ رمى ببصره إلى مسلم عليه‌السلام وقال :

أمّا بعد ، فإنّي لا أُخبرك عن الناس ، ولا أعلم ما في أنفسهم ، وما أغرّك منهم ، والله أُحدّثك عمّا أنا موطّن نفسي عليه ، والله لأُجيبنّكم إذا دعوتم ولأُقاتلنّ معكم عدوّكم ، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتّى ألقى الله لا أُريد بذلك إلّا ما عند الله.

فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي فقال : رحمك الله قد قضيت ما في نفسي بواجز

__________________

= وقال أبو مخنف : لمّا قدم مسلم بن عقيل الكوفة فنزل دار المختار وأقبلت الشيعة تختلف إليه فكلّما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين عليه‌السلام فجعلوا يبكون ، وبايعه الناس حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً ، فقام عابس بن شبيب الشاكري خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّي لا أُخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم ، وما أغرّك منهم ولكن والله أُخبرك بما أنا موطّن نفسي عليه ، والله لأُجيبكم إذا دعوتموني ولأُقاتلنّ معكم إذا دعوتموني ، ولأُقاتلنّ معكم عدوّكم ، ولأضربنّ بسيفي هذا دونكم حتّى ألقى الله لا أُريد بذلك إلّا ما عند الله.

فقام حبيب بن مظاهر وقال لعابس : يرحمك الله ، قد قضيت ما عليك وأنا مثل ذلك.

قال الطبري : إنّ مسلماً لمّا بايعه الناس كتب إلى الحسين كتاباً وسلّمه إلى عابس بن شبيب وأرسله إلى مكّة فصحبه شوذب مولى شاكر (منه رحمه‌الله) وتجد بعض ذلك في مقتل أبي مخنف ، ص ٢٠.

٢٤٠