بحسب وقوفين منه تختلف بذلك نسبتهما من أوضاع المرئى الواحد ، كطوق الحمامة (١) فإنها ترى مرة شقرا (٢) ومرة أرجوانية ومرة على لون الذهب ، بحسب اختلاف المقامات ، فلهذا ما يكون شىء واحد عند إنسان صحيح حلوا ، وعند إنسان مريض مرا. فهؤلاء هم الذين جعلوا الكيفيات المحسوسة لا حقائق لها فى أنفسها ، إنما هى أشكال (٣).
وهاهنا قوم آخرون أيضا (٤) ممن لا يرون هذا المذهب لا يجعلون لهذه الكيفيات حقيقة فى الأجسام ، بل يرون أن هذه الكيفيات إنما هى انفعالات للحواس فقط من غير أن يكون فى المحسوسات شىء منها. وقد
__________________
(١) فى تعليقة نسخة : قال المحققون طوق الحمامة ليس المرئى منه شيئا واحدا بل هناك اطراف ريش ذوات جهات وكل جهة لها لون يسترلون جهة الاخرى بالقياس الى القائم الناظر.
(٢) بعيرا شقر : شتر سخت سرخ موى. شقراء : ماديان. صراح اللغة.
(٣) فى المباحث : قال بعض القدماء ان الكيفيات المحسوسة لا حقيقة لها فى انفسها بل هى انفعالات تعرض للحواس فقط. قيل لهم ولولا اختصاص الملوّن بكيفية مخصوصة لا توجد فى غيره لم يكن انفعال الحس عن الملون اولى من انفعاله عن الشفاف.
قال الامام : فنقول الآثار الحاصلة فى الحواس اشكال او غير اشكال؟ فان كانت اشكالا وكل شكل ملموس فالاثر الحاصل فى العين ملموس هذا خلف. وان لم يكن اشكالا فقد ثبت القول بوجود كيفيات وراء الاشكال فاذا جاز ذلك فاىّ مانع يمنع من اثباتها فى الجسم الخارجى. الوجه الثانى فى اثبات الكيفيات : ان الالوان والطعوم والروائح فيها مضادة والاشكال ليس فيها مضادة. الوجه الثالث : الاحساس بالشكل يتوقف على وجود اللون فلو كان اللون نفس الشكل لتوقف الاحساس بالشىء على الاحساس به.
قال صدر المتألهين فى الاسفار : وهذا المذهب سهل الدفع فان ما فى الحواس صورة المحسوسات ومثالها ومثال الشكل غير مثال الطعم واللون وغيرهما.
(٤) راجع ص ٢١ ج ٢ ط ١ ـ ص ٦٧ ج ٤ ط ٢ من الاسفار.
