الكلام فى هذا الفصل.
فنقول : إن الحاس فى قوته أن يصير مثل المحسوس بالفعل ، إذ كان الإحساس هو قبول صورة الشىء مجردة عن مادته فيتصور بها الحاس ، فالمبصر (١) هو مثل المبصر بالقوة (٢) ، وكذلك الملموس والمطعوم وغير ذلك ، والمحسوس الأول بالحقيقة هو الذى يرتسم فى آلة الحس وإياه يدرك ، ويشبه أن يكون إذا قيل : أحسست الشىء الخارجى كان معناه غير معنى أحسست فى النفس ، فإن معنى قوله : أحسست الشىء الخارجى ، أن صورته تمثّلت فى حسى ، ومعنى أحسست فى النفس أن الصورة نفسها تمثلت فى حسى. فلهذا (٣) يصعب إثبات وجود الكيفيات المحسوسة فى الأجسام.
لكنا نعلم (٤) يقينا أن جسمين وأحدهما يتأثر عنه الحس شيئا ، والآخر لا يتأثر عنه ذلك الشىء أنه مختص فى ذاته بكيفية هى مبدأ إحالة الحاسة دون الآخر.
وأما ذيمقراطيس وطائفة من الطبيعيين فلم يجعلوا لهذه الكيفيات وجودا ألبتة ، بل جعلوا الأشكال التى يجعلونها للأجرام التى لا تتجزأ أسبابا لاختلاف ما يتأثر فى الحواس باختلاف ترتيبها ووضعها. قالوا : ولهذا ما يكون الإنسان الواحد قد يحس لونا واحدا على لونين مختلفين :
__________________
(١) فى تعليقة نسخة : اى المبصر بالفعل.
(٢) المبصر بالكسر وهو الحاس مثل المبصر بالقوة بالفتح وهو الشىء الخارجى المحسوس بالعرض.
(٣) فى تعليقة نسخة : اى فلانّ الشىء الخارجى لا يدرك بالذات.
(٤) قوله : « لكنا نعلم » ، يريد بذلك ان يثبت ان الكيفيات المحسوسة موجودات خارجية لها حقائق فى الخارج.
