فنقول : إن الشىء الخارج من البصر (١) لا يخلو إما أن يكون شيئا مّا قائم الذات ذا وضع ، فيكون جوهرا جسمانيا ؛ وإما أن يكون شيئا لا قوام له بذاته وإنما يقوم بالشىء المشف الذى بين البصر والمبصر. ومثل هذا الشىء فلا يجوز أن يقال له بالحقيقة : إنه خارج من البصر ، ولكن يجب أن يقال : إنه انفعال للهواء من البصر ، ويكون الهواء بذلك الانفعال معينا فى الإبصار. وذلك على وجهين : إما على سبيل إعانة الواسطة ، وإما على سبيل إعانة الآلة.
وقبل الشروع فى التفصيل ، فإنى أحكم حكما كليا أن الإبصار ليس يكون باستحالة فى الهواء إلى حالة تعين البصر ألبتة ، وذلك لأن تلك الحالة لا محالة تكون هيئة فى الهواء ليست معنى إضافيا بحسب ناظر دون ناظر. فإنا لا نمنع وجود هذا القسم ، بل نقول لابد منه ، ولابد من إضافة تحدث للهواء مع الناظر عند نظره بتلك الإضافة يكون الإبصار فانّا إنما نمنع (٢) وجود حالة وهيئة قارة فى نفس الهواء وذاته يصير بها الهواء
__________________
(١) قال صدر المتألهين فى تعليقة على شرح حكمة الاشراق : ولقائل ان يقول اذا حصلت المقابلة بين البصر الصحيح والمبصر يحدث بينهما جسم شعاعى دفعة ويكون به الرؤية وهذا الجسم الشعاعى مجرد عن المادة فيداخل وينفذ فى الاجسام اللطيفة ولا تفاوت فى مداخلته اياها بين ان يكون ليّنة او صلبة بعد ان كانت صافية غير مكدرة لان مداخلته اياها ليست بالحركة والزمان ولا تفاوت ايضا بين القريب والبعيد فى اصل مواصلته لها لان فيضانه دفعى بلا مادة وحركة وزمان ولفظ الخروج والنفوذ والمداخلة والانبساط كلها مجازات اطلقها هذا القائل تسامحا وانما الفرض اصل حدوث الشعاع على شكل المخروط الذى راسه عند البصر وقاعدته عند سطح المرئى. ( شرح حكمة الاشراق ص ٢٦٨ ).
(٢) وانما نمنع ، نسخة.
