ولو كانت هذه لا تكون إلا باختلاط الأجسام (١) وقد علم أن السواد لا يصبغ منه الضوء بالعكس جسما ألبتة أسود لكان (٢) يجب أن تكون الألوان الخضر والحمر إنما ينعكس منها البياض ولا ينعكس من الأجزاء السود شىء ، وخصوصا وهى ضعيفة منكسرة.
فإن قيل : فقد نراها تنعكس عن المخلوط. فالجواب أن ذلك لأن الخلط يوجب الفعل والانفعال ، ويجب بسبب ذلك امتزاج الكيفية سواء فعلته الصناعة أو الطبيعة. على أن الطبيعة تقدر على الامتزاج الذى على سبيل الاستحالة ، والصناعة لا تقدر عليه ، بل تقدر على الجمع ، فربما أوجبت الطبيعة بعد ذلك استحالة ، والطبيعة تقدر على تلطيف المزج الذى على سبيل الخلط وتصغير الأجزاء ، والصناعة تعجز عن ذلك الاستقصاء. والطبيعة لا تتناهى مذاهبها فى القسمة والنسبة قوة وفعلا ، والصناعة لا يمكن أن تخرج جميع ما فى الضمير منها إلى الفعل.
فقد بان من هذا أن البياض بالحقيقة فى الأشياء ليس بضوء.
ثم لسنا نمنع أن يكون للهواء تأثير فى أمر التبييض ، ولكن ليس على الوجه الذى يقولون (٣) ، بل بإحداث المزاج المبيض (٤). ولذلك ليس لنا
__________________
(١) اى اختلاط الاجسام الشفافة بالضوء.
(٢) الضوء فاعل يصبغ ، وجسما مفعوله ، ولكان جواب لو كانت.
(٣) قوله : « ليس على الوجه الذى يقولون » يعنى الوجه الذى هو بحسب المخالطة فقط كما سيصرح به بعد سطر.
وقوله : « او على سبيل الصبغ » لا يبعد ان يكون الصبغ فى الموضعين بالنون والعين المهملة بمعنى الصناعة.
وقوله : « مما يكذبهم الشباب والشيب » كما قيل بالفارسية :
|
گويند پس از سياه رنگى نبود |
|
پس ريش سياه من چرا گشته سفيد |
