المسافة على غير جادّة معلومة ؛ وقوله : وهي تجوب في موضع الحال ، والعامل ردعت ومتخلّصة أيضاً حال ، والعامل امّا تجوب أو ردعت . وتخلّصها إليه : توجّهها بكلّيّتها في طلب إدراكه سبحانه ، والحاصل أنّ جلاله تعالى يردع تلك العقول والأوهام في حال قطعها مهالك ظلم الجهالات والمغيبات ، وتخلّصها وتوجّهها التامّ إلى معرفته فترجع بعد ذلك معترفة بأنّه لا ينال كنه معرفته بالعقل الّذي شأنه الجور والاعتساف ، وبأنّه لا يخطر ببال اُولى الرويّات أي أصحاب الفكر . خاطرة أي صورة مطابقة من تقدير جلال عزّته لما قد مرّ مراراً أنّه منزّه من أن يكون في قوى المحدودين كنه ذاته و صفاته لأنّ تلك الصورة مخلوقة له ، وهو لا يشابه خلقه فكيف يوافقه في الحقيقة أو يشبهه وإنّما يشبه الشيء بعديله فيلزم أن تكون تلك الصورة عديلاً له ، أو المراد أنّ العقل و الوهم والخيال إنّما تحيط بما جانسها وشابهها وبما شاهد أمثاله من الممكنات ، وهو تعالى ليس له شبيه ولا عديل فكيف تحيط به .
قوله عليهالسلام : في مجد جبروته أي بسببه أو كائناً فيه ، والحاصل أنّ عظمة جبروته وجلاله تمنع عن نفوذ الأبصار فيه قوله عليهالسلام : إذ حجبها أي الأبصار ، وإرجاع الضمير إلى الجبروت بعيد أي حجب الأبصار عنه بحجب لا تنفذ الأبصار في ثخن كثافته أي غلظته ، والأظهر « كثافتها » لرجوع الضمير إلى الحجب ، ولعلّ الإفراد لأخذ الحجب كلّها بمنزلة حجاب واحد ، أو يقال : إنَّ الضمير راجع إلى الحجاب المذكور في ضمن الحجب ، أي لا تنفذ في واحد منها فكيف في جميعها ، والمراد بالحجب الحجب المعنويّة الراجعة إلى تقدّسه تعالى ونقص الممكنات .
قوله : ولا تخرق أي الأبصار متوجّهاً إلى ذي العرش متانة ستراته الخصيصة به تعالى ؛ والمتانة : الاستحكام ، وإنّما نسب الخرق إليها مجازاً أي ستراته المتينة ؛ و يمكن أن يقرأ تخرق على بناء المجهول ، ومتانةً بالنصب بنزع الخافض أي لمتانة ، وفي بعض النسخ : مباثة ـ بالباء الموحدة ثمَّ الثاء المثلّثة ـ من باث الشيء يبوث بوثاً أي بحث عنه فيكون فاعلاً للخرق أي لا تخرق الحجب إلى ذي العرش البحث عن خصائص ستراته ؛ ويقال : تصاغرت إليه نفسه أي تحاقرت ، وعنت الوجوه أي خضعت وذلّت .
![بحار الأنوار [ ج ٤ ] بحار الأنوار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F507_behar-alanwar-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

