بما فطرهم عليه من التمكين لقبوله لأن الإذن أدناه التمكين وإزالة المنع ـ انتهى. (وَاللهُ) أي المحيط علما وقدرة (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) أي بما له من أوصاف الكمال (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) قال الحرالي : هذا هدى أعلى من الأول كأن الأول هدى إلى إحاطة علم الله وقدرته وهذا هدى إليه ، وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم المحمدي «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله» (١) انتهى. ولما أفهم ما صرح به الكلام السابق من الاختلاف وقوع العداوات وكان في العداوات خطر الأموال والأنفس وكان ذلك أشق ما يكون وكانت العادة قاضية بأن المدعوين إلى ذلك إن لم يصمموا على الآيات كانوا بين مستثقلين لأمر الرسل يرون أنهم يفرقون ما اتفق من الكلمة ورضي به الناس لأنفسهم ويشتتون أمرهم مستثقلين لطول انتظار الانتصار كان حالهم حال من يطلب الراحات في ذرى الجنات بلا مشقات وذلك محال ومحض ضلال ، فإن الثبات على الصراط المستقيم لا يكون إلا باحتمال شدائد التكاليف فكان كأنه قيل في جواب ذلك عدولا عن خطاب النبي صلىاللهعليهوسلم المقول له (سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ) [البقرة : ٢١٢] إلى خطاب الأتباع تشريفا له عن ذلك ورفعا لهممهم بالمواجهة بالخطاب والتأسية بمن مضى من أولي الألباب تنشيطا لهم وتقوية لعزائمهم : أحسبتم أنا لا نرسل الرسل لتمييز الخبيث من الطيب (أَمْ حَسِبْتُمْ) بعد إرسالهم أن الأمر هين بأن تنالوا السعادة بلا اجتهاد في العبادة. قال الحرالي : هو مما منه الحسبان وهو ما تقع غلبته فيما هو من نوع المفطور عليه المستقر عادته ، والظن الغلبة فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم ؛ فكأن ضعف علم العالم ظن وضعف عقل العاقل حسبان ـ انتهى. وهذا الذي قدرته هو معنى (أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ) أي
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٤٦١ و ٧٣١٢ و ٧٤٦٠ ومسلم ١٠٣٧ وأحمد ٤ / ١٠١ كلهم من حديث معاوية. وأخرجه البخاري ٣٦٤٠ و ٧٣١١ و ٧٤٥٩ ومسلم ١٩٢١ من حديث المغيرة.
وأخرجه مسلم ١٩٢٣ وابن الجارود ١٠٣١ وأبو عوانة ١ / ١٠٦ من حديث جابر بن عبد الله. ومسلم ١٧٤ من حديث جابر بن سمرة.
ومن حديث عقبة بن عامر مسلم ١٩٢٤ والطبراني ١٧ / ٨٧٠.
ومن حديث عمر أخرجه الطيالسي ٣٨ والدارمي ٢ / ٢١٣ واستدركه الحاكم ٤ / ٤٤٩!
ومن حديث عمران أخرجه أحمد ٤ / ٤٣٧ وأبو داود ٢٤٨٤ والحاكم ٤ / ٤٥٠ وصححه ، ووافقه الذهبي ومن حديث معاوية بن قرة أخرجه أحمد ٥ / ٥٤ والترمذي ٢١٩٢ وإسناده حسن. وله شواهد أخرى ، فهو حديث مشهور بل مستفيض ، أو متواتر على رأي قوم.
أما الطائفة فقال البخاري : هم أهل العلم. وأما أحمد فذهب إلى أنهم أهل الحديث ، وقال النووي : يجوز أن تكون الطائفة متعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع في الحرب ، ومحدث ، وفقيه ، ومفسر ، وقائم بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وزاهد ، وعابد. راجع شرح مسلم ١٣ / ٦٦.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
