قال الحرالي : والعادات أشد ما على المتعبدين والطريق إلى الله تعالى بخلعها ، وقد كان جدالهم أي في وقوفهم في الحرم بغير علم لأن العلم يقتضي أن الواقف خائف والخائف لا يخاف في الحرم لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحرم آمنا ، فمن حق الوقوف أن يكون في الحل فإذا أمن دخل الحرم وإذا دخل الحرم أمن ـ انتهى. وأظهر الاسم الشريف تعريفا للمقام وإعلاما بأنه موصوف بما يصفه به على وجه العموم من غير نظر إلى قيد ولا حيثية فقال : (إِنَّ اللهَ) ذا الكمال (غَفُورٌ) أي ستور ذنب من استغفره (رَحِيمٌ) أي بليغ الرحمة يدخل المستغفر في جملة المرحومين الذين لم يبد منهم ذنب فهو يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم ليكون التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
ولما أمرهم بالذكر في المناسك وكان الإنسان فيها بصدد الذكر أمرهم بالذكر بعد قضائها لأن من فرغ من العبادة كان بصدد أن يستريح فيفتر عن الذكر إلى غيره وكانت عادتهم أن يذكروا بعد فراغهم مفاخر آبائهم فقال : (فَإِذا قَضَيْتُمْ) أي أنهيتم إنهاء بينا لا شبهة فيه (مَناسِكَكُمْ) أي أركان الحج ، وأعاد الاسم الأعظم بمثل ما مضى من التعظيم وتعميم الذكر في جميع الوجوه فقال : (فَاذْكُرُوا اللهَ) الذي لا نعمة عليكم إلا منه وهو الذي هداكم ، ذكرا (كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ) لكونهم أحسنوا إليكم بالتربية التي هي في الحقيقة من فضل الله تعالى ، على أنهم فعلوا بكم كل محنة لا توازيها نعمة فإنهم أضلوكم ، فسبحان من رضي وهو المنعم المطلق الهادي بأن يذكر مثل ذكر من كان سببا لنعمة خاصة هو سبحان الذي أفاضها عليه مع أنه كان سببا في الضلال! قال الحرالي : فانتظم ذكر إخراجهم عن قولهم المعهود بإخراجهم عن موقفهم المعهود إخراجا لهم عن معتادهم في أعمالهم وأحوالهم ، وفي إعلامه أخذ للخلق بأن يعاملوا الحق معاملة من يجلونه من الخلق وذلك عن بلية ما غلب عليهم من التقيد بما يرون وضعف الإيمان بما سمعوا أو علموا.
ولما كان في هذه التربية بخس جرى عليه هذا الخطاب كما ورد «استحي من الله كما تستحيي رجلا جليلا من قومك» (١) قال تعالى : (أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) انتهى. أي اذكروا الله ذكرا أعلى من ذلك بأن تذكروه ذكرا أشد من ذكركم لآبائكم لما له من الفضل العام ، ومما يدخل تحت هذا الذكر أن يأنف من أن يكون لله في عبادته أو شيء من أموره شريك كما يستنكف ابن أن يكون لأبيه فيه شريك بل يكون في أمر الشرك أشد
__________________
(١) ليس بحديث. ولم يذكره المصنف على أنه حديث. والله تعالى أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
