كعادتهم فيمن يسودونه أن يلبسوه أسورة ذهب ويطوقوه طوق ذهب (أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) (٥٣) متتابعين يشهدون بصدقه (فَاسْتَخَفَ) استفز فرعون (قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ) فيما يريد من تكذيب موسى (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) (٥٤) (فَلَمَّا آسَفُونا) أغضبونا (انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) (٥٥) (فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً) جمع سالف كخادم وخدم أي سابقين عبرة (وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ) (٥٦) بعدهم يتمثلون بحالهم فلا يقدمون على مثل أفعالهم (وَلَمَّا ضُرِبَ) جعل (ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً) حين نزل قوله تعالى : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) فقال المشركون : رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى ، لأنه عبد من دون الله (إِذا قَوْمُكَ) أي المشركون (مِنْهُ) من المثل (يَصِدُّونَ) (٥٧) يضحكون فرحا بما سمعوا (وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) أي عيسى فنرضى أن تكون آلهتنا معه (ما ضَرَبُوهُ) أي المثل (لَكَ إِلَّا جَدَلاً) خصومة بالباطل لعلمهم أن ما لغير العاقل فلا يتناول عيسى عليهالسلام (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) (٥٨) شديد والخصومة (إِنْ) ما (هُوَ) عيسى (إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ) بالنبوة (وَجَعَلْناهُ) بوجوده من غير أب
____________________________________
عَلَيْهِ) أي من عند مرسله الذي يدعي أنه الملك حقيقة. قوله : (استفز فرعون) (قَوْمَهُ) المعنى : استخف فرعون عقول قومه ، فألقي عليهم تلك الشبه الواهية التي أثبت بها ألوهية نفسه وكذب موسى فأطاعوه. قوله : (فَلَمَّا آسَفُونا) أصله أأسفونا بهمزتين ، أبدلت الثانية ألفا. قوله : (أغضبونا) أي حيث بالغوا في العناد والعصيان. قوله : (انْتَقَمْنا مِنْهُمْ) أي عاقبناهم. قوله : (فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) تفسير للانتقام ، وقد أهلكوا بجنس ما تكبروا به ، ففيه اشارة إلى أن من افتخر بشيء وتعزز به غير الله أهلكه به. قوله : (وَمَثَلاً) معطوف على (سَلَفاً) والمراد بالآخرين المتأخرون في الزمان ، وهي الأمة المحمدية.
قوله : (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً) سبب نزولها أنه لما نزل قوله تعالى : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) الآية ، قال عبد الله بن الزبعري وكان قبل أن يسلم : أهذا لنا ولآلهتنا ، أم لجميع الأمم؟ فقال رسول الله : هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم ، فقال : قد خصمتك ورب الكعبة ، أليست النصارى يعبدون المسيح؟ واليهود يعبدون عزيرا؟ وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في النار ، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم ، فسكت انتظارا للوحي ، فظنوا أنه ألزم الحجة ، فضحكوا وارتفعت أصواتهم ، إذ علمت ذلك تعلم الاقتصار الواقع من المفسر في القصة. قوله : (إِذا قَوْمُكَ) فجائية ، والمعنى : فاجأ ضرب المثل صدودهم وفرحهم. قوله : (يَصِدُّونَ) بضم الصاد وكسرها من باب ضرب ورد قراءتان سبعيتان. قوله : (فرحا بما سمعوا) أي إن محمدا صار مغلوبا بهذا الجدال.
قوله : (وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ) إلخ ، تفصيل لجدالهم ، والمعنى أنهم قالوا : أآلهتنا خير عندك أم عيسى؟ فإن كان في النار فلتكن آلهتنا معه ، وقوله : (أَآلِهَتُنا) بتحقيق الهمزتين أو تسهيل الثانية ، بغير ادخال ألف بينهما ، فهما قراءتان سبعيتان فقط ، وقرىء شذوذا بهمزة واحدة بعدها ألف على لفظ الخبر. قوله : (فترضى أن تكون) إلخ ، هذا تفريع على الشق الثاني. قوله : (إِلَّا جَدَلاً) مفعول من أجله ، أي لأجل الجدل والمراء. قوله : (لعلمهم أن ما) أي الوقعة في قوله تعالى : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ) وعلمهم ذلك لكون القرآن نزل بلغتهم ولغة العرب ، أن ما تكون لغير العاقل ، ومن للعاقل. قوله : (إِنْ هُوَ إِلَّا
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
