كلمة التوحيد المفهومة من قوله (إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ) ذرّيته فلا يزال فيهم من يوحد الله (لَعَلَّهُمْ) أي أهل مكة (يَرْجِعُونَ) (٢٨) عما هم عليه إلى دين إبراهيم أبيهم (بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ) المشركين (وَآباءَهُمْ) ولم أعاجلهم بالعقوبة (حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُ) القرآن (وَرَسُولٌ مُبِينٌ) (٢٩) مظهر لهم الأحكام الشرعية وهو محمد صلىاللهعليهوسلم (وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُ) القرآن (قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ) (٣٠) (وَقالُوا لَوْ لا) هلا (نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ) من أية منهما (عَظِيمٍ) (٣١) أي الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) النبوة؟ (نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)
____________________________________
أحكامه من صلاة وغيرها ، ودفع بذلك ما يقال : إن الهداية حاصلة ، لكونه مجبولا على التوحيد من (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) فكيف يعبر بالمضارع فضلا عن اقترابه بالسين ، فأجاب بما ذكر ، نظير ما أجاب به عن قوله : (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) وأجيب أيضا : بأن السين زائدة ، والمضارع للدلالة على الاستمرار ، والمعنى يديمني على الهدى ، وأجيب أيضا : بأن المعنى سيثبتني على الهداية. قوله : (أي كلمة التوحيد) إلخ ، تفسير للضمير البارز ، والضمير المستتر يعود على إبراهيم ، والمعنى : أن إبراهيم وصى بهذه الكلمة عقبه ، قال تعالى : (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) الآية. قوله : (أي أهل مكة) أشار بذلك إلى أن قوله : (لَعَلَّهُمْ) إلخ ، متعلق باذكر الذي قدره ، والمعنى : اذكر يا محمد لقومك ما ذكر ، ليحصل عندهم رجوع إلى دين إبراهيم.
قوله : (بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ) إضراب انتقالي للتوبيخ والتقريع على ما حصل منهم من عدم الاتباع ، واسم الإشارة عائد على المشركين الكائنين في زمنه صلىاللهعليهوسلم. قوله : (ولم أعاجلهم بالعقوبة) أي بل أعطيتهم نعما عظيمة وحرما آمنا ، يجبى إليه ثمرات كل شيء ، فلم يشكروا بل ازدادوا طغيانا ، فأمهلتهم ولم أعجل لهم الانتقام. قوله : (حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُ) غاية لمحذوف ، والتقدير بل متعت هؤلاء ، فاشتغلوا بذلك التمتع حتى جاءهم.
قوله : (وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ) إلخ هذا من جملة شبههم الفاسدة التي بنوا عليها إنكار نبوته صلىاللهعليهوسلم ، وذلك أنهم قالوا : إن الرسالة منصب شريف ، لا يليق إلا برجل شريف ، وهذا صدق ، غير أنهم غلطوا في دعواهم أن الرجل الشريف هو الذي يكون كثير المال والجاه ، ومحمد ليس كذلك ، فلا تليق به رسالة الله ، وليس كذلك ، بل العبرة بتعظيم الله ، لا بالمال والجاه ، فليس كل عظيم المال والجاه معظما عند الله تعالى. قوله : (من أية منهما) أي من أحدى القريتين. قوله : (أي الوليد بن المغيرة) أي وقد استمر كافرا حتى هلك. قوله : (وعروة بن مسعود) أي وقد هداه الله الإسلام ، فأسلم وحسن إسلامه ، وكان النبي عليه الصلاة والسّلام ، يشبه عيسى ابن مريم عليهالسلام ، به رضى الله تعالى عنه.
قوله : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ) الاستفهام انكاري وتعجب من حالهم وتحكمهم. قوله : (رَحْمَتَ رَبِّكَ) ترسم بالتاء المجرورة هنا ، وفي قوله تعالى فيما يأتي (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ) اتباعا لرسم المصحف وهذا موضعان ترسم فيهما بالتاء المجرورة. ثالثها في البقرة (أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ) رابعها في الأعراف (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) خامسها في هود (رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ) سادسها في مريم (رَحْمَتِ
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
