لِرَبِّهِمْ) أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) أداموها (وَأَمْرُهُمْ) الذي يبدو لهم (شُورى بَيْنَهُمْ) يتشاورون فيه ولا يعجلون (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ) أعطيناهم (يُنْفِقُونَ) (٣٨) في طاعة الله ومن ذكر صنف (وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ) الظلم (هُمْ يَنْتَصِرُونَ) (٣٩) صنف أي ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه كما قال تعالى : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة ، وهذا ظاهر فيما يقتص فيه من الجراحات ، قال بعضهم : وإذا قال له : أخزاك الله ، فيجيبه : أخزاك الله (فَمَنْ عَفا) عن
____________________________________
وبالجملة فكل مقام له مقال. قوله : (وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ) معطوف على الموصول المتقدم ، وهذه الآية نزلت في الأنصار ، دعاهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى الإيمان فاستجابوا له ، ونقب عليهم اثني عشر نقيبا قبل الهجرة. قوله : (أجابوه إلى ما دعاهم) إلخ ، أي على لسان رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وأشار المفسر إلى أن السين والتاء زائدتان. قوله : (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) أي أدوها بشروطها وآدابها.
قوله : (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) والشورى مصدر شاورته أي شاركته في الرأي كالبشرى ، وكانت الأنصار قبل قدوم النبي صلىاللهعليهوسلم إذا أرادوا أمرا ، تشاوروا فيه ثم عملوا عليه ، فمدحهم الله تعالى به وأمر صلىاللهعليهوسلم بذلك ، قال تعالى : (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) تأليفا لقلوب أصحابه ، وذلك في الأمور الاجتهادية ، كالحروب ونحوها ، ولم يكن يشاورهم في الأحكام ، لأنها منزلة من عند الله تعالى ، وكانت الصحابة بعده صلىاللهعليهوسلم يتشاورون في المهمات من أمور الدين والدنيا ، وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة ، لأن النبي لم ينص عليها ، فوقع بينهم اختلاف ، ثم اجتمعوا وتشاوروا فيه ، فقال عمر : نرضى لدنيانا ما رضيه النبي لديننا ، فوافقوه على ذلك ، وبالجملة فالشورى أمرها عظيم ، قال الحسن : ما تشاور قوم قط ، إلا هدوا إلى أرشد أمورهم ، وفي الحديث : «إذا كان أمراؤكم خياركم ، وأغنياؤكم سمحاءكم ، وأمركم شورى بينكم ، فظهر الأرض خير لكم من باطنها ، وإن كان أمراؤكم شراركم ، وأغنياؤكم بخلاءكم ، وأموركم إلى نسائكم ، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها».
قوله : (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) أي في وجوه البر ، وكانوا يقدمون غيرهم عليهم ، قال تعالى في وصفهم : (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ). قوله : (ومن ذكر صنف) أي المؤمنون المتقدمون ، فتحصل أن الله تعالى جعل المؤمنين صنفين ، صنفا يعفون عمن ظلمهم ، وقد ذكرهم الله تعالى في قوله : (وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) وصنفا ينتقمون ممن ظلمهم ، وقد ذكرهم الله في قوله : (وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ). قوله : (يَنْتَصِرُونَ) هذا في الإعراب كقوله : (وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) سواء بسواء ، ويزيد هنا : أنه يصح أن يكون (هُمْ) توكيدا للضمير المنصوب في (أَصابَهُمُ) وحينئذ ففيه الفصل بين المؤكد والمؤكد بالفاعل. قوله : (وهذا) أي قوله مثلها ، وقوله : (من الجراحات) أي وغيرها من سائر الحقوق التي يمكن استيفاؤها. قوله : (قال بعضهم) هو مجاهد والسدي.
قوله : (فَمَنْ عَفا) الفاء للتفريع ، أي إذا كان الواجب في الجزاء رعاية المماثلة ، فالأولى العفو والإصلاح لتعذر المماثلة غالبا. قوله : (وَأَصْلَحَ) (الود بينه وبين المعفوّ عنه) أشار بذلك إلى أن الإصلاح من تمام العفو ، وفيه تحريض وحث على العفو ، فإن أمره عظيم ، وفيه تفويض الأمر إلى الله تعالى ، والله لا
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
