أي طغوا (فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ) بالتخفيف والتشديد من الأرزاق (بِقَدَرٍ ما يَشاءُ) فيبسطها لبعض عباده دون بعض وينشأ عن البسط البغي (إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) (٢٧) (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ) المطر (مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا) يئسوا من نزوله (وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ) يبسط مطره (وَهُوَ الْوَلِيُ) المحسن للمؤمنين (الْحَمِيدُ) (٢٨) المحمود عندهم (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَ) خلق (ما بَثَ) فرق ونشر (فِيهِما مِنْ دابَّةٍ) هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم (وَهُوَ عَلى
____________________________________
فأجاب : بأن اللازم المنتفي هو بغي جميعهم ، والملزوم بسط الرزق للجميع وإلا فبغي البعض ، وبسط الرزق للبعض ، حاصل في كل زمن. قوله : (أي طغوا) (فِي الْأَرْضِ) أي لأن الله تعالى لو سوى في الرزق بين جميع عباده ، لامتنع كون البعض محتاجا للبعض ، وذلك يوجب خراب العالم وفساد نظامه ، فأفعال الله تعالى لا تخلو عن مصالح ، وإن لم يجب على الله فعلها ، فقد يعلم من حال عبد ، أنه لو يبسط عليه الرزق ، قاده ذلك إلى الفساد ، فيزوي عنه الدنيا مصلحة له ، ففي حديث أنس عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى : «إن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة ، وإني عليم أني لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ، ولو أفقرته لأفسده الفقر ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده الغنى ، وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم ، فإني عليم خبير» ثم قال أنس : اللهم إني من عبادك المؤمنين الذي لا يصلحهم إلا الغنى ، فلا تفقرني برحمتك. قوله : (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله : (فيبسطها لبعض دون بعض) أي ويبسطها للبعض أحيانا ، ويضيقها عليه أحيانا ، فلا يسأل عما يفعل. قوله : (إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ) تعليل لما قبله. والمعنى عليم بالبواطن والظواهر.
قوله : (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ) بالتخفيف والتشديد ، قراءتان سبعيتان. قوله : (مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا) العامة على فتح النون ، وقرىء شذوذا بكسر النون ، ومضارعها بفتح النون ، وبه قرىء في المتواتر ، فتحصل أنه في المضارع قرىء بالوجهين قراءة سبعية ، وفي الماضي لم يقرأ في السبع إلا بالفتح ، والكسر قراءة شاذة ، وإن كان لغة فيه. قوله : (يبسط مطره) أشار بذلك إلى أن المطر سمي باسمين : الغيث لأنه يغيث من الشدائد ، والرحمة لأنه رحمة وإحسان للخلق ، ويصح أن يراد بالرحمة البراكات ؛ أي بركات الغيث ، ومنافعه في كل شيء ، ومن السهل والجبل والنبات والحيوان وحينئذ فيكون عطفه على ما قبله ، من عطف المسبب على السبب. قوله : (المحمود عندهم) أي وعند جميع المخلوقات ، وإنما خص المؤمنين تشريفا لهم.
قوله : (وَمِنْ آياتِهِ) أي دلائل قدرته وعجائب وحدانيته. قوله : (خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي فإنهما بذاتهما وصفاتهما ، يدلان على اتصاف خالقهما بالكمالات ، قال تعالى : (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها) الآية. قوله : (وَ) (خلق) (ما بَثَ) أشار بذلك إلى أن قوله : (وَما بَثَ) معطوف على (السَّماواتِ) مسلط عليه (خَلْقُ) ويصح أن يكون في محل رفع عطف على (خَلْقُ). قوله : (هي ما يدب على الأرض) أشار بذلك إلى أن المراد في أحدهما ، فهو من اطلاق المثنى على المفرد ، كما في قوله تعالى : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) وإنما يخرجان من أحدهما وهو الملح ، وهذا أسلم وأحسن مما
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
