دونهم (لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (٢٢) (ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ) من البشارة مخففا ومثقلا به (اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي على تبليغ الرسالة (أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) استثناء منقطع ، أي لكن أسألكم أن تودوا قرابتي التي
____________________________________
دونهم) أي فروضة الجنة ، أي أعلاها وأطيبها ، وفيه إشارة إلى أن الذين آمنوا ولم يعملوا الصالحات في الجنة ، غير أنهم ليسوا في الأعلى ، ولا في الأطيب. قوله : (عِنْدَ رَبِّهِمْ) ظرف ليشاؤون ، والعندية مجازية. قوله : (الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) أي الذي لا يوصف ، لأن الله تعالى بجلاله وعظمته وصفه بالكبر ، فمن ذا الذي يستطيع أن يصفه من الحوادث. قوله : (ذلِكَ) مبتدأ ، و (الَّذِي يُبَشِّرُ) خبره ، والعائد محذوف قدره المفسر بقوله : (به) حذف الجار فاتصل الضمير ، وهذا على الصحيح من أنها اسم موصول ، وأما على رأي يونس من أنها مصدرية ، فلا تحتاج إلى عائد ، والتقدير عنده ذلك تبشير الله إلى عباده. قوله : (من البشارة) أي وهي الخبر السار. قوله : (مخففا ومثقلا) أي فهما قراءتان سبعيتان.
قوله : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) أي قل يا محمد لأمتك : لا أطلب منكم أجرا في نظير تبليغ الرسالة وتبشيري اياكم ؛ ولا خصوصية له صلىاللهعليهوسلم بذلك ، بل جميع الأنبياء لا يسألون الأجرة ، لأن سؤال الأجرة على الأمور الأخروية ، نقص في حق غير الأنبياء فأولى الأنبياء. قوله : (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) اختلف المفسرون في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال ، الأول عن ابن عباس : أن النبي صلىاللهعليهوسلم كان وسط النسب من قريش ، ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده ، وكان له فيهم قرابة ، فقال الله عزوجل : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) أي ما بيني وبينكم من القرابة ، والمعنى : إن لم تتبعوني ، فاحفظوا حق القربى ، وصلوا رحمي ، ولا تؤذوني ، يعد عليكم نفعها ، لما في الحديث : «الرحم معلقة بالعرش تقول : اللهم صل من وصلني ، واقطع من قطعني» فثمرته عائدة عليهم لا على النبي صلىاللهعليهوسلم. الثاني عنه أيضا : أن النبي صلىاللهعليهوسلم لما قدم المدينة ، لم يكن في يده سعة فقالت الأنصار : إن هذا الرجل هداكم ، وهو ابن أختكم ، وأجاركم في بلدكم ، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ، ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم ، ونزلت الآية ، وحينئذ فالخطاب للأنصار. الثالث عن الحسن : أن معناه إلا أن تجعلوا محبتكم ومودتكم محصورة في التقرب إلى الله بطاعته وخدمته لا لغرض دنيوي ، فالقربى على الأول القرابة بمعنى الرحم ، وعلى الثاني بمعنى الأقارب ، على الثالث بمعنى القرب والتقرب ، واعلم أن طلب الأجر على التبليغ لا يجوز لوجوه ، الأول : تبري الأنبياء جميعا منه. الثاني : أن التبليغ واجب ، وطلب الأجرة على أداء الواجب لا يليق بأفراد الأمة فضلا عن الأنبياء. الثالث : أن النبوة أمر عظيم ، والدنيا وإن عظمت حقيرة ، لا تزن جناح بعوضة ، ولا يليق طلب الخسيس في دفع الشريف ، وغير ذلك ، إن قلت : حيث كان الأمر كذلك ، فما معنى الاستثناء في الآية؟ أجيب بجوابين ، الأول : أن هذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم ، على حد قول الشاعر :
|
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم |
|
بهن فلول من قراع الكتائب |
فالمعنى : لا أطلب إلا هذا ، وهو في الحقيقة ليس بأجر ، لأن المودة بين المسلمين واجبة ، خصوصا في حق أشرافهم ، وحينئذ فيكون الاستثناء متصلا بالنظر للظاهر. الثاني : أن الاستثناء منقطع كما قال المفسر ، وحينئذ فالكلام تم عند قوله : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) ثم قال : (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) أي أذكركم قرابتي ، والمراد بقرابته قيل : فاطمة وعلي وابناهما ، وقيل : هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
