المطلوب منهم ، ما عليك إلا البلاغ (وَكَذلِكَ) مثل ذلك الإيحاء (أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ) تخوّف (أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها) أي أهل مكة وسائر الناس (وَتُنْذِرَ) الناس (يَوْمَ الْجَمْعِ) أي يوم القيامة ، تجمع فيه الخلائق (لا رَيْبَ) شك (فِيهِ فَرِيقٌ) منهم (فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (٧) النار (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً) أي على دين واحد وهو الإسلام (وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ) الكافرون (ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (٨) يدفع عنهم العذاب (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ) أي الأصنام (أَوْلِياءَ) أم منقطعة بمعنى بل التي للانتقال ، والهمزة
____________________________________
قوله : (وَكَذلِكَ) يصح أن يكون مفعولا مطلقا لأوحينا ، و (قُرْآناً) مفعول به ، والتقدير : وأوحينا اليك قرآنا عربيا إيحاء كذلك ، واسم الإشارة عائد على الإيحاء المتقدم في قوله : (كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ) إلخ ، ويصح أن يكون مفعولا به ، و (قُرْآناً) حال ، والتقدير : وأوحينا إليك ذلك الإيحاء ، حال كونه قرآنا عربيا. قوله : (أُمَّ الْقُرى) سميت بذلك لأنها أول بلد خلقها الله وشرفها ، ولذا بعث لها أصل الخلق وأشرفهم ، وهو سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم. قوله : (وَمَنْ حَوْلَها) أي من كل جهة ، فهو مبعوث لسائر أهل الأرض ، بل وأهل السماء ، وإنما اقتصر على الإنذار ، وإن كان مبعوثا بالبشارة أيضا ، لأنه في ذلك الوقت لم يكن محل للبشرى ، لأن الخلق في ذلك الوقت كفار.
قوله : (يَوْمَ الْجَمْعِ) هو المفعول الثاني ، والأول محذوف قدره المفسر بقوله : (الناس) عكس الفعل الأول ، فإنه قد ذكر المفعول الأول ، وحذف الثاني تقديره العذاب ، ففي الآية احتباك ، حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر. قوله : (لا رَيْبَ فِيهِ) حال من (يَوْمَ الْجَمْعِ) قوله : (فَرِيقٌ) إما مبتدأ في كل خبره الجار والمجرور بعده ، والمسوغ للابتداء بالنكرة وقوعها في معرض التفصيل وهو الأولى ، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره منهم ، أو خبر لمبتدأ محذوف أي هم. قوله : (فِي الْجَنَّةِ) المراد بها دار الثواب ، فنعم جميع الجنان ، وقوله : (وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) المراد به دار العذاب بجميع طباقها ، فالجنة لمن لم يتصف بالكفر من الثقلين إنسا وجنا ، والنار لمن اتصف بالكفر من المكلفين إنسا وجنا.
قوله : (لَوْ شاءَ اللهُ) مفعول (شاءَ) محذوف تقديره جعلهم أمة واحدة ، والمعنى : أن الأمر كله لله ، فلا يسأل عما يفعل لحكمة سبقت ، بأن خلق الجنة وخلق لها أهلا ، وخلق نارا وخلق لها أهلا. قوله : (وهو الإسلام) أي أو الكفر. قوله : (وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ) أي بفضله وإحسانه ، وهم فريق الجنة. قوله : (وَالظَّالِمُونَ) أي وهم فريق النار ، وهو مقابل قوله : (يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ) كان مقتضى الظاهر أن يقال : ويدخل من يشاء في غضبه ، وعدل عنه إلى ما ذكر ، إشارة إلى دفع توهم ، أن لهم شفيعا ونصيرا في الآخرة ، وأما دخولهم في الغضب ، فأمر معلوم لا يحتاج للنص عليه. قوله : (الكافرون) تفسير للظالمون ، فالمراد بالظلم الكفر ، وأما الظالمون بمعنى العاصين بغير الكفر ، فلهم نصير يدفع عنهم العذاب ، لما في الحديث : «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». قوله : (التي للانتقال) أي من بيان المسبب لبيان السبب ، فاتخاذهم الأصنام آلهة سبب في دخولهم النار. قوله : (والهمزة للإنكار) هذا أحد أوجه في (أَمِ) المنقطعة ، وهو أنها تقدر ببل والهمزة ، ويصح تقديرها ببل وحدها ، أو الهمزة
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
