عمل (وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها) أي فضرر إساءته على نفسه (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (٤٦) أي بذي ظلم ، لقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ) متى تكون لا يعلمه غيره (وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ) وفي قراءة ثمرات (مِنْ أَكْمامِها) أوعيتها جمع كم بكسر الكاف إلا بعلمه (وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ) أعلمناك الآن
____________________________________
المخالفة ، وقوله : (مُرِيبٍ) أي مورث شكا آخر. قوله : (فَلِنَفْسِهِ) (عمل) أشار بذلك إلى أن الجار والمجرور متعلق محذوف ويصح أن يكون خبر المحذوف ، أي فعمله الصالح لنفسه ، والجملة على كل حال جواب الشرط ، إن جعلت شرطية ، أو خبر لها إن جعلت موصولة ، وكذا يقال في الجملة بعدها. قوله : (أي بذي ظلم) جواب عما يقال : إن الآية لم تنف أصل الظلم. فأجيب : بأن ظلام صيغة نسبة لا مبالغة ، والمعنى ليس بمنسوب للظلم كتمار وخباز ، أي منسوب للتمر والخبز. إن قلت : إن الظلم مستحيل على الله تعالى ، لأن التصرف في ملك الغير ، ولا ملك لأحد معه ، فكيف يتصور اثباته حتى يحتاج لنفيه؟ أجيب : بأن المراد الظلم المنفي في الآية تعذيب المطيع لا حقيقة الظلم ، وإنما سماه ظلما تفضلا منه واحسانا ، كأن الله تعالى يقول : لا أدخل أحدا النار من غير ذنب ، فإن فعلت ذلك كنت ظالما وهو مستحيل ، على حد (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) فتدبر.
قوله : (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ) أي لله يرد علم جواب السؤال عن الساعة ، وهذه الآية بمعنى قوله تعالى : (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) لا يجليها لوقتها إلا هو فالمعنى تعيين وقت مجيئها لا يعلمه إلا الله تعالى وتقدم ذلك عند قوله : (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ). قوله : (لا يعلمه غيره) أخذ الحصر من تقديم الجار والمجرور ، والمعنى : لا يفيد علمه غيره تعالى ، فلا ينافي أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لم يخرج من الدنيا ، حتى اطلع على ما كان وما يكون وما هو كائن ، ومن جملته وقت الساعة ، ولكن أمر بكتمانه ، فلا يفيد السائل عنه شيئا. قوله : (مِنْ ثَمَراتٍ) المراد الجنس ، وقوله : (وفي قراءة) أي وهي سبعية أيضا والجمع ظاهر. قوله : (جمع كم بكسر الكاف) أي وهو ما يغطي الثمرة من النوار والزهر ، ويجمع أيضا على أكمة وكمام ، وأما ما يغطي اليد من القميص فبالضم ، وجمعه أكمام ، وقيل : ما يغطي الثمرة بالضم والكسر ، وما يغطي اليد بالضم فقط.
قوله : (وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ) إلخ ، أي يعلم قدر أيام الحمل وساعاته ، وكونه ذكرا أو أنثى ، واحدا أو متعددا ، غير ذلك ، ويعلم وقت وضعه ومكانه. قوله : (إِلَّا بِعِلْمِهِ) استثناء مفرغ من عموم الأحوال ، والتقدير : وما يحدث شيء ، من خروج ثمرة ، أو حمل حامل أو وضعها ، إلا ملتبسا بعلمه ، فقد حذف من الأولين ، لدلالة الثالث عليه. إن قلت : قد يعلم ذلك بعض الخلق من أصحاب الكشف ، وبعض الكهنة والمنجمين. أجيب : بأن صاحب الكشف عليه بإلهام من الله تعالى لبعض جزئيات فقط ، وأما الكهنة والمنجمون ، فعلمهم مستند لأمور ظنية قد تصيب ، والغالب عليها الخطأ. قوله : (أَيْنَ شُرَكائِي) أي بزعمكم وفيه تقريع وتهكم بهم. قوله : (قالُوا) أي يقولون ، وعبر بالماضي لتحقق الوقوع. قوله : (الآن) أشار بذلك إلى أن المراد الإنشاء لا الإخبار عما سبق ، فالجملة خبرية لفظا إنشائية معنى ، ويصح أن يراد الإخبار لتنزيلهم علمه تعالى بحالهم منزلة إعلامهم به ، فأخبروا وقالوا آذناك.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
