لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) أي أراد نطقه (وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٢١) قيل : هو من كلام الجلود ، وقيل : هو من كلام الله تعالى كالذي بعده ، وموقعه قريب مما قبله ، بأن القادر على إنشائكم ابتداء ، وإعادتكم بعد الموت أحياء ، قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم (وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ) عن ارتكابكم الفواحش من (أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ) لأنكم لم توقنوا بالبعث (وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ) عند استتاركم (أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ) (٢٢) (وَذلِكُمْ) مبتدأ (ظَنُّكُمُ) بدل منه (الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ) نعت والخبر (أَرْداكُمْ) أي أهلككم (فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٢٣) (فَإِنْ يَصْبِرُوا) على العذاب (فَالنَّارُ مَثْوىً) مأوى (لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا) يطلبوا العتبى أي الرضا (فَما
____________________________________
قال : كنا عند رسول الله صلىاللهعليهوسلم فضحك فقال : «أتدرون مم أضحك؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : من مخاطبة العبد ربه فيقول : يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول : بلى ، قال : فيقول : فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلا شاهدا مني ، قال : فيقول : كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ، وبالكرام الكاتبين البررة عليك شهودا ، قال : فيختم علي فيه ويقال لأركانه انطقي ، فتنطق بأعماله ، ثم يخلى بينه وبينها فيقول : بعدا لكن وسحقا ، فعنكن كنت أناضل» : قوله : (وَجُلُودُهُمْ) المراد بها مطلق الجوارح ، فيكون من عطف العام على الخاص ، وقيل : المراد بالجلود خصوص الفروج ، ويكون التعبير عنها بالجلود من باب الكناية ، ويكون هذا في شهادة الزنا ، وحينئذ فالآية فيها الوعيد الشديد على إتيان الزنا ، والأقرب الأول.
قوله : (وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ) أي توبيخا وتعجبا من هذا الأمر. قوله : (قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ) إلخ ، أي جوابا لهم واعتذارا عما صدر منهم. قوله : (تُرْجَعُونَ) أي تردون إليه بالبعث ، وعبر بالمضارع مع أن المقالة بعد الرجوع بالفعل ، لأن المراد بالرجوع البعث ، وما يترتب عليه من العذاب الدائم ، والعذاب مستقبل بالنسبة لمقالتهم. قوله : (قيل هو) أي قوله : (وَهُوَ خَلَقَكُمْ) إلخ. قوله : (كالذي بعده) أي وهو قوله : (وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ) أي تستخفون من هؤلاء الشهود ، وهو لا يكون إلا بترك الفعل بالكلية ، لأنها ملازمة للإنسان في حركاته وسكناته. قوله : (من) (أَنْ يَشْهَدَ) أشار بذلك إلى أن قوله : (أَنْ يَشْهَدَ) في محل نصب بنزع الخافض ، ويصح أن يكون مفعولا لأجله ، والتقدير مخالفة إن يشهد ، إلخ. قوله : (عند استتاركم) أي من الناس. قوله : (أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً) المراد به ما اخفوه عن الناس من الأعمال ، فظنوا أن علم الله مساو لعلم الخلق ، فكل ما ستروه عن الناس لا يعلمه الله.
قوله : (وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ) إلخ ، اعلم أن الظن قسمان : حسن وقبيح ، فالحسن أن يظن العبد المؤمن بالله عزوجل الرحمة والإحسان والخير ، ففي الحديث : «أنا عند ظن عبدي بي» والقبيح أن يظن الله نقصا في ذاته أو صفاته أو أفعاله. قوله : (فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ) نتيجة ما قبله.
قوله : (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) إن قلت : إن النار مأوى لهم صبروا أو لا ، فما وجه التقييد بالصبر؟ وأجيب : بأن في الآية حذفا ، والتقدير : فإن يصبروا أو لا يصبروا ، فالنار مثوى لهم ، وإنما حذف
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
