(وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ) يبني الأبنية العجيبة (وَغَوَّاصٍ) (٣٧) في البحر يستخرج اللؤلؤ (وَآخَرِينَ) منهم (مُقَرَّنِينَ) مشدودين (فِي الْأَصْفادِ) (٣٨) القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم وقلنا له (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ) أعط منه من شئت (أَوْ أَمْسِكْ) عن الأعطاء (بِغَيْرِ حِسابٍ) (٣٩) أي لا حساب عليك في ذلك (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) (٤٠) تقدم مثله (وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي) أي بأني (مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ) ضر (وَعَذابٍ) (٤١) ألم ، ونسب ذلك إلى الشيطان ، وإن كانت الأشياء كلها من الله تأدبا معه تعالى ، وقيل له (ارْكُضْ) أضرب (بِرِجْلِكَ) الأرض فضرب فنبعت عين ماء فقيل (هذا مُغْتَسَلٌ) ماء تغتسل به (بارِدٌ
____________________________________
أثناء سيرها وأما في أوله فهي عاصفة ، فكانت العاصفة تقلع البساط والرخاء تسيره. قوله : (بِأَمْرِهِ) أي اياها ، فالمصدر مضاف لفاعله. قوله : (كُلَّ بَنَّاءٍ) بدل من الشياطين. (وَآخَرِينَ) عطف على (كُلَّ بَنَّاءٍ) وذلك أن سليمان قسم الشياطين إلى عملة ، استخدمهم في الأعمال الشاقة من البناء والغوص ونحو ذلك ، وإلى مقرنين في السلاسل كالمردة والعتاة. قوله : (القيود) من المعلوم أن القيد يكون في الرجل ، فلا يلتئم مع قوله : (بجمع أيديهم) إلخ ، فلو فسر الأصفاد بالأغلال لكان أولى ، لأنها تطلق عليها ، كما تطلق على القيود. قوله : (وقلنا له) (هذا) أي هذا الملك عطاؤنا. قوله : (بِغَيْرِ حِسابٍ) فيه ثلاثة أوجه : أحدها أنه متعلق بعطاؤنا ، أي أعطيناك بغير حساب وبغير حصر. الثاني أنه حال من عطاؤنا ، أي في حال كون عطائنا غير محاسب عليه. والثالث أنه متعلق بامنن أو أمسك ، والمعنى أعط من شئت ، وامنع من شئت ، لا حساب عليك في اعطاء ولا منع. قال الحسن : ما أنعم الله نعمة على أحد ، إلا عليه فيها تبعة ، إلا سليمان ، فإنه إن أعطى أجر ، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة. قوله : (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) أي زيادة خير في الدنيا والآخرة.
قوله : (وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ) عطف على قوله : (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ) عطف قصة على قصة ، وليس معطوفة على قصة سليمان ، لأن لكمال الاتصال بينه وبين أبيه ، لم يصدر في قصته بقوله واذكر عبدنا سليمان مثلا ، بل كانا كأنهما قصة واحدة ، وتقدم لنا في الأنبياء ، أن أيوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن اسحاق بن ابراهيم عليهالسلام ، وقيل : إنه ابن عيصو بن اسحاق ، وقيل : وهو ابن أموص بن رعيل بن عيص بن اسحاق ، وتقدمت قصته مفصلة في سورة الأنبياء.
قوله : (إِذْ نادى رَبَّهُ) بدل من (عَبْدَنا) أو عطف بيان له. قوله : (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ) أي حين ابتلي بفقد ماله وولده وتمزيق جسده ، وهجر جميع الناس له إلا زوجته ، وكانت مدة بلائه ثلاث سنين ، وقيل سبعا ، وقيل عشرا ، وقيل ثماني عشرة. قوله : (بِنُصْبٍ) بضم فسكون ، التعب والمشقة ، وقوله : (وَعَذابٍ) عطف سبب على مسبب. قوله : (تأدبا معه تعالى) أي لأن الشيطان هو السبب في ذلك ، لأنه نفخ في أنفه ، فمرض جسده ظاهرا وباطنا ، إلا قلبه ولسانه. قوله : (وقيل له) أي حين رجا وقت شفائه. قوله : (فنبعت عين ماء) ظاهره أنها عين واحدة ، وهو أحد قولين ، وقيل : كانتا عينين بأرض الشام في أرض الجابية ، فاغتسل من احداهما ، فأذهب الله تعالى ظاهر دائه ، وشرب من الأخرى ، فأذهب الله باطن دائه ، وكانت احدى العينين حارة ، والأخرى باردة ، فاغتسل من الحارة ، وشرب من الأخرى.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
