(وَالْأَعْناقِ) (٣٣) أي ذبحها وقطع أرجلها تقربا إلى الله تعالى ، حيث اشتغل بها عن الصلاة وتصدق بلحمها فعوّضه الله تعالى خيرا منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ) ابتليناه بسلب ملكه ، وذلك لتزوجه بامرأة هواها ، وكانت تعبد الصنم في داره من غير
____________________________________
فردوها ، فصلى العصر في وقتها ، وقال الفخر الرازي : معنى قوله : (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ) أي يمسحها حقيقة بيده ليختبر عيوبهأ وأمراضها ، لكونه كان أعلم بأحوال الخيل ، وإشارة إلى أنه بلغ من التواضع ، إلى أنه يباشر الأمور بنفسه ، ولم يحصل منه ذبح ولا عقر ، ولم تفوت عليه صلاة ، ومعنى (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) أي لأجل طاعة ربي لا لهوى نفسي ، ومعنى (تَوارَتْ بِالْحِجابِ) أي الخيل غابت عن بصره حين أمر بإجرائها ليختبرها للغزو فقال : ردّوها علي ، فردوها ، فصار يمسح في أعناقها وسوقها كما تقدم ، وليس في الآية ما يدل على ثبوت ذبح ولا عقر ولا فوات صلاة ا. ه بالمعنى.
قوله : (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ) إلخ ، أجمل المفسر في القصة. وحاصل تفصيلها على ما رواه وهب بن منبه قال : سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون ، وبها ملك عظيم الشأن ، ولم يكن للناس اليه سبيل لمكانه في البحر ، وكان الله تعالى قد آتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر ، وإنما يركب إليه الريح ، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء ، حتى نزل بجنوده من الجن والإنس ، فقتل ملكها وسبى ما فيها ، وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال لها جرادة ، لم ير مثلها حسنا ولا جمالا ، فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام ، فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه ، وأحبها حبا لم يحب مثله أحدا من نسائه ، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها قالت : إن أبي فشق ذلك على سليمان فقال لها : ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت : إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك ، فقال سليمان ، فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ذلك؟ قالت : إن ذلك كذلك ، ولكنني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن ، فلو أنك أمرت الشياطين ، فصوروا لي صورته في داري التي أنا فيها ، أراها بكرة وعشية ، لرجوت أن يذهب ذلك حزني ، وأن يسلي عن بعض ما أجد في نفسي ، فأمر سليمان الشياطين فقال : مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئا ، فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه ، إلا أنه لا روح فيه ، فعمدت إليه حين صنعوه ، فألبسته ثيبا مثل ثيابه التي كان يلبسها ، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها ، تغدو إليه في ولائدها أي جواريها ، فتسجد له ويسجدن له ، كما كانت تصنع في ملكه أي أبيها ، وتروح في كل عشية بمثل ذلك ، وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا ، وبلغ ذلك إلى آصف بن برخيا ، وكان صديقا له ، وكان لا يرد عن أبواب سليمان أية ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل سواء ، كان سليمان حاضرا أو غائبا ، فأتاه وقال : يا نبي الله ، إن غير الله يعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة ، فقال سليمان : في داري؟ قال في دارك ، قيل : فإنا لله وإنا اليه راجعون ، ثم رجع سليمان إلى داره ، فكسر ذلك الصنم وعاتب تلك المرأة وولائدها ، ثم أمر بثياب الظهيرة فأتى بها ، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ، ولا ينسجها إلا الأبكار ، ولا يغسلها إلا الأبكار ، لم تمسها يد امرأة قد رأت الدم ، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده ، وأمر برماد ففرش له ، ثم أقبل تائبا إلى الله تعالى ، حتى جلس على ذلك الرماد ، وتمعك به في ثيابه تذللا إلى الله تعالى ، وتضرعا اليه يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره ، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى ،
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
