رَبِّي) مهاجر إليه من دار الكفر (سَيَهْدِينِ) (٩٩) إلى حيث أمرني ربي بالمصير إليه وهو الشام ، فلما وصل إلى الأرض المقدسة قال : (رَبِّ هَبْ لِي) ولدا (مِنَ الصَّالِحِينَ) (١٠٠) (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) (١٠١) أي ذي حلم كثير (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) أي أن يسعى معه ويعينه ، قيل بلغ سبع سنين ، وقيل ثلاث عشرة سنة (قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى) أي رأيت (فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) ورؤيا الأنبياء حق وأفعالهم بأمر الله تعالى (فَانْظُرْ ما ذا تَرى) من الرأي ، شاوره ليأنس بالذبح وينقاد
____________________________________
من النار سالما ، ولم يهتد من قومه أحد ، هاجر هو ولوط ابن اخيه ، وسارة زوجته إلى أرض الشام ، وهو أول من هاجر من الخلق في طاعة الله ، وقوله : (إِلى رَبِّي) أي إلى عبادة ربي وطاعته. قوله : (سَيَهْدِينِ) أي إلى ما فيه صلاح ديني وبلوغ مطالبي. قوله : (إلى حيث أمرني ربي) أي إلى مكان أمرني إلخ ، وهذا متعلق بكل من (ذاهِبٌ) ويهدين. قوله : (فلما وصل إلى الأرض المقدسة) قدره توطئة لقوله : (رَبِّ هَبْ لِي) إلخ. قوله : (مِنَ الصَّالِحِينَ) أي بعض الصالحين ، يكون خليفة لي ويرث حالي.
قوله : (فَبَشَّرْناهُ) مرتب على محذوف تقديره فاستجبنا له فبشرناه ، وتلك البشارة على لسان الملائكة الذين جاؤوا له في صورة أضياف ، فبشروه بالغلام ، ثم انتقلوا من قريته وهي فلسطين ، إلى قرية لوط وهي سذوم ، لإهلاك قومه ، كما تقدم ذلك في سورة هود ، ويأتي في الذاريات. قوله : (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) أشار المفسر إلى أن قوله : (معه) ظرف متعلق بالسعي ، وفيه أنه يلزم عليه تقدم صلة المصدر المؤول من (أن) والفعل عليه وهو لا يجوز ، وأجيب : بأنه يغتفر في الظروف ما لا يغتفر في غيرها ، ويصح جعله متعلقا بمحذوف على سبيل البيان ، كأن قائلا قال : مع من بلغ السعي؟ فقيل : بلغ معه ، ولا يصح جعله متعلقا ببلغ ، ولا حالا من ضميره ، لأنه يوهم اقترانهما في بلوغ السعي ، لأن المصاحبة تقتضي المشاركة ، مع أن المقصود ، وصف الصغير بذلك فقط.
قوله : (قالَ يا بُنَيَ) جواب لما ، والحكمة في ذلك : أن ابراهيم اتخذه الله تعالى خليلا ، والخلة هي صفاء المودة ، ومن شأنها عدم مشاركة الغير مع الخليل ، وكان قد سأل ربه الولد ، فلما وهبه له ، تعلقت شعبة من قلبه بمحبته ، فجاءت غيرة الخلة تنزعها من قلب الخليل ، فأمر بذبح المحبوب ، لتظهر صفاء الخلة وعدم المشاركة فيها ، حيث امتثل أمر ربه ، وقدم محبته على محبة ولده. قوله : (أي رأيت) أشار بذلك إلى أن الرؤيا وقعت بالفعل ، لما روى : أنه رأى ليلة التروية ، أن قائلا يقول له : إن الله يأمرك بذبح ابنك ، فلما أصبح فكر في نفسه أنه من الله ، فلما أمسى رأى مثل ذلك في الليلة الثانية ، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة ، فهم بنحره فقال له : (يا بُنَيَ) إلخ ، ولذلك سميت الأيام الثلاثة : بالتروية ، وعرفة ، والنحر ، لأنه في اليوم الأول تروى ، وفي الثاني عرف ، وفي الثالث نحر.
قوله : (أَنِّي أَذْبَحُكَ) أي أفعل الذبح ، أو أمرت ، به ، احتمالان : ويشير للأول قوله : (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) ، وللثاني. قوله : (افْعَلْ ما تُؤْمَرُ). قوله : (ما ذا تَرى) يصح أن تكون (ما ذا) مركبة ، وحينئذ فهي منصوبة بترى ، وما بعدها في محل نصب بالنظر ، لأنها معلقة له ، ويصح أن تكون ما استفهامية ، وذا موصولة ، فتكون (ما ذا) مبتدأ وخبرا ، وقوله : (تَرى) بفتحتين من الرأي ، وفي قراءة سبعية ترى بالضم والكسر ، والمفعولان محذوفان ، أي تريني إياه من صبرك واحتمالك ، وقرىء شذوذا
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
