أنه يعتمد عليها ليعتمدوه (فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ) (٨٩) عليل أي سأسقم (فَتَوَلَّوْا عَنْهُ) إلى عيدهم (مُدْبِرِينَ) (٩٠) (فَراغَ) مال في خفية (إِلى آلِهَتِهِمْ) وهي الأصنام وعندها الطعام (فَقالَ) استهزاء (أَلا تَأْكُلُونَ) (٩١) فلم ينطقوا فقال (ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ) (٩٢) فلم تجب (فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ) (٩٣) بالقوة فكسرها ، فبلغ قومه ممن رآه (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ) (٩٤) أي يسرعون المشي ، فقالوا له : نحن نعبدها وأنت تكسرها (قالَ) لهم موبخا (أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) (٩٥) من الحجارة وغيرها أصناما (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) (٩٦) من نحتكم ومنحوتكم فاعبدوه وحده ، وما مصدرية ، وقيل موصولة ، وقيل موصوفة (قالُوا) بينهم (ابْنُوا لَهُ بُنْياناً) فاملؤوه حطبا وأضرموه بالنار ، فإذا التهب (فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) (٩٧) النار الشديدة (فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً) بإلقائه في النار لتهلكه (فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ) (٩٨) المقهورين فخرج من النار سالما (وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى
____________________________________
(أي سأسقم) جواب عما يقال : كيف قال : (إِنِّي سَقِيمٌ) والحال أنه لم يكن سقيما؟ وأجيب أيضا : بأن المعنى سقيم القلب ، من عبادتكم ما لا يضر ولا ينفع ، وقد أشار ب قوله : (إِنِّي سَقِيمٌ) إلى سقم مخصوص وهو الطاعون ، وكان الطاعون أغلب الأسقام عليهم ، وكانوا يخافون منه العدوى ، فتفرقوا عن ابراهيم خوفا منها ، فهربوا إلى عيدهم ، وتركوه في بيت الأصنام ، قوله : (وهي الأصنام) أي وكانت اثنين وسبعين صنما ، بعضها من حجر ، وبعضها من خشب ، وبعضها من ذهب ، وبعضها من فضة ، وبعضها من نحاس ، وبعضها من حديد ، وبعضها من رصاص ، وكان كبيرها من ذهب مكللا بالجواهر ، وكان في عينيه ياقوتتان تتقدان نورا. قوله : (وعندها الطعام) الجملة حالية.
قوله : (فَقالَ) (استهزاء بهم) إن قلت : أي فائدة في خطاب ما لا يعقل؟ أجيب : بأنه لعل عنده من يسمع كلامه من خدمتها أو غيرهم. قوله : (فَراغَ عَلَيْهِمْ) أي مال في خفية ، من قولهم : راغ الثعلب روغانا : تردد وأخذ الشيء خفية. قوله : (بالقوة) أي القدرة. قوله : (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ) مرتب على محذوف قدره المفسر بقوله : (فبلغ قومه) إلخ. قوله : (يَزِفُّونَ) بكسر الزاي مع فتح الياء أو ضمها قراءتان سبعيتان. قوله : (فقالوا نحن نعبدها) إلخ ، أي بعد أن سألوه وأجابهم ، فلما تحققوا أنه هو الذي كسرها قالوا : (نحن نعبدها) إلخ ، وقد تقدم بسط ذلك في الأنبياء. قوله : (موبخا) أي على ما وقع منهم ، حيث يأتون للخشب مثلا ، فيصنعون منه صورة ويتخذونها إلها ، مع أنها قبل ذلك لم تكن معبودة لهم ، ولا تضر ولا تنفع. قوله : (وما مصدرية) إلخ ، ذكر فيها ثلاثة أوجه ، وبقي اثنان كونها استفهامية ، والمعنى : وأي شيء تعلمونه وكونها نافية؟ والمعنى : ليس العمل في الحقيقة لكم ، وإنما هو لله تعالى. قوله : (بُنْياناً) قيل بنوا له حائطا من الحجر ، طوله في السماء ثلاثون ذراعا ، وعرضه عشرون ذراعا ، وملأوه من الحطب ، وأوقدوا عليه النار ، ثم تحيروا في كيفية رميه ، فعلمهم إبليس المنجنيق ، فصنعوه ووضعوه فيه ورموه فيها ، فصارت عليه بردا وسلاما. قوله : (وأضرموه بالنار) أي أوقدوه بها. قوله : (النار الشديدة) أي فكل نار بعضها فوق بعض تسمى جحيما من الجحمة ، وهي شدة التأجج. قوله : (المقهورين) أي بإبطال كيدهم ، حيث جعلت عليه بردا وسلاما.
قوله : (وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ) إلخ ، عطف على محذوف قدره بقوله : (فخرج) إلخ ، والمعنى : لما خرج
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
