____________________________________
كهفهم الذي اختاروه قبرا لهم ، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم ، وقد توفى الله أرواحهم وفاة نوم ، ثم إن رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان ايمانهما ، شرعا يكتبان قصة هؤلاء الفتية ، فكتبا وقت فقدهم وعددهم وأنسابهم ودينهم ، وممن فروا في لوحين من رصاص ، وجعلاهما في تابوت من نحاس ، وجعلا التابوت في البنيان وقالا : لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة ، فيعرفوا من هذه الكتابة خبرهم ، ثم مات الملك دقيانوس هو وقومه ؛ ومر بعده سنون وقرون ، وتغايرت الملوك ثم ملك تلك المدينة رجل صالح يقال له بيطروس ، واختلف الناس عليه ، فمنهم المؤمن بالساعة ، ومنهم الكافر بها فشق ذلك عليه ، حيث كان يسمعهم يقولون : لا حياة إلا حياة الدنيا ، وإنما تبعث الأرواح دون الأجساد ، فجعل يتضرع ويقول : رب أنت تعلم اختلاف هؤلاء ، فابعث لهم آية تبين لهم أمر الساعة والبعث ، فأراد الله أن يظهره على الفتية أصحاب الكهف ، ويبين للناس شأنهم ، ويجعلهم آية وحجة عليهم ، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، فألقى الله في قلب رجل من أهل تلك الناحية ، أن يهدم ذلك البناء الذي على باب الكهف ، ويبني بحجارته حظيرة لغنمه ، فهدمه وبنى به حظيرة لغنمه ، فلما انفتح باب الكهف ، بعث الله هؤلاء الفتية ، فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة نفوسهم ، وقد حفظ الله عليهم أبدانهم وجمالهم وهيئتهم ، فلم يتغير منها شيء ، فكانت هيئتهم وقت أن استيقظوا ، كهيئتهم وقت أن رقدوا ، ثم أرسلوا تمليخا إلى المدينة ليشتري لهم الطعام ، فذهب فرأى المدينة قد تغير حالها وأهلها وملكها ، وقد أخذه أهل المدينة وذهبوا به إلى ذلك الملك المؤمن ، فأخبره تمليخا بقصته وقصة أصحابه ، فقال بعض الحاضرين : يا قوم لعل هذه آية من آيات الله ، جعلها الله لكم على يد هذا الفتى ، فانطلقوا بنا حتى يرينا أصحابه ، فانطلق أريوس وأسطيوس من عظماء المملكة ، ومعهما جميع أهل المدينة ، كبيرهم وصغيرهم ، نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم ، فأول من دخل عليهم ، هذان العظيمان الكبيران ، فوجدا في أثر البناء تابوتا من نحاس ، ففتحاه فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبا فيهما قصتهم ، فلما قرأوهما عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آية تدلهم على البعث ، ثم أرسلوا قاصدا إلى ملكهم الصالح بيدروس ، أن عجل بالحضور إلينا ، لعلك ترى هذه الآية العجيبة ، فإن فتية بعثهم الله وأحياهم ، وكان قد توفاهم ثلاثمائة سنة وأكثر ، فلما جاءه الخبر ، ذهب همه وقال : أحمدك رب السماوات والأرض ، تفضلت عليّ ورحمتني ، ولم تطفىء النور الذي جعلته لآبائي ، فركب وتوجه نحو الكهف ، فدخل عليهم وفرح بهم واعتنقهم ووقف بين أيديهم ، وهم جلوس على الأرض ، يسبحون الله ويحمدونه ، فقالوا له : نستودعك الله ، والسّلام عليك ورحمة الله ، حفظك الله وحفظ ملكك ، ونعيذك بالله من شر الإنس والجن ، فبينما الملك قائم ، إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا ، وتوفى الله أنفسهم ، فقام الملك إليهم ، وجعل ثيابهم عليهم ، وأمر أن يجعل كل رجل منهم في تابوت من ذهب ، فلما مشى ونام ، أتوه في منامه فقالوا له : إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة ، ولكنا خلقنا من التراب وإلى التراب نصير ، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب ، حتى يبعثنا الله منه ، فأمر الملك عند ذلك بتابوت من ساج فجعلوا فيه ، وأمر أن يبنى على باب الكهف مسجد فيه ، ويسد به باب الغار فلا يراهم أحد ، وجعل لهم عيدا عظيما ، وأمر أن يؤتى كل سنة اه ملخصا من الخازن. قوله : (جمع فتى) أي كصبي وصبية. قوله :
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
