(الْكِتابَ) القرآن (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ) أي فيه (عِوَجاً) (١) اختلافا وتناقضا ، والجملة حال من الكتاب (قَيِّماً) مستقيما حال ثانية مؤكدة (لِيُنْذِرَ) يخوف بالكتاب الكافرين (بَأْساً) عذابا
____________________________________
بمضمون تلك الجملة ، لا إنشاء المضمون ، فإنه ثابت أزلا يستحيل إنشاؤه ، فتكون على هذا خبرية لفظا إنشائية معنى ، كأنه قال : أجدد وأنشىء جمدا لنفسي بنفسي ، لعجز خلقي عن كنه حمدي. ولذا حكي عن أبي العباس المرسي ، أنه سأل ابن النحاس النحوي عن أل في الحمد لله ، هل هي جنسية أو عهدية؟ فقال : يقولون إنها جنسية ، فقال : لا بل هي عهدية ، لأن الله لما علم عجز خلقه عن كنه حمده ، حمد نفسه بنفسه ، وأبقاه لهم يحمدونه به. قوله : (أو هما) أي الإعلام والثناء ، ويكون هذا من باب استعمال الجملة في الخبر والإنشاء ، على سبيل الجمع بين الحقيقة والمجاز ، فاستعمالها في الخبر حقيقة ، واستعمالها في الإنشاء مجاز ، وحينئذ فيكون المقصود من هذه الجملة أمرين : الإعلام للإيمان والتصديق ، وإنشاء الثناء. قوله : (أفيدها الثالث) أي أكثرها فائدة ، لدلالته على أمرين مقصود كل منهما بالذات. إن قلت : إن إنشاء الثناء يستلزم الإعلام ، والإعلام يستلزم إنشاء الثناء. قلنا : نعم ، لكن فرق بين الحاصل المقصود ، والحاصل الغير المقصود ، فتحصل أنه إذا جعلت الجملة خبرية فقط ، كان الثناء حاصلا غير مقصود ، وإن جعلت إنشائية فقط ، كان الإيمان بها حاصلا غير مقصود ، وإن استعملت فيهما ، كان كل مقصودا لذاته. قوله : (الَّذِي أَنْزَلَ) تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلية ، كأنه قال : الحمد لله لأجل إنزاله الخ ، وإنما جعل الإنزال سببا في الحمد ، لأنه أعظم نعمة وجدت دنيا وأخرى ، إذ به تنال سعادة الدارين ، إذ فيه صلاح المعاد والمعاش ، قال تعالى : (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ). قوله : (عَلى عَبْدِهِ) الإضافة لتشريف المضاف ، ولذا قال القاضي عياض :
|
وممّا زادني شرفا وتيها |
|
وكدت بأخمصي أطأ الثريّا |
|
دخولي تحت قولك يا عبادي |
|
وإن صيرت أحمد لي نبيّا |
قوله : (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ) الجملة إما معطوفة على قوله : (أَنْزَلَ) فتكون من جملة المحمود عليه ، أو حال كما قال المفسر. قوله : (اختلافا) أي في اللفظ ، والمعنى ، والعوج بالكسر الفساد في المعاني ، وبالفتح في الأجسام. قوله : (تناقضا) نعت لاختلافا على حذف مضاف ، أي ذا تناقض. قوله : (قَيِّماً) إن أريد به الاستقامة في المعنى ، كان حالا مؤكدة كما قال المفسر ، وإن أريد به الاستقامة مطلقا ، كان حالا مؤسسة. قوله : (مستقيما) أي معتدلا قائما بمصالح العباد ، دنيا وأخرى ، فهو مصلح لصاحبه دنياه وآخرته ، من حيث إنه يؤنسه في قبره ويتلقى عنه السؤال ، ويكون نورا على الصراط ، ويوضع في الميزان ، ويرقى به درجات الجنة ، وهذا للعامل به ، وقائم على غير العامل به ، بمعنى أنه يكون حجة عليه ، أو المعنى قيما حسن الألفاظ والمعاني ، لكونه في أعلى طبقات الفصاحة والبلاغة. فإن قلت : ما فائدة التأكيد؟ قلنا : دفع توهم أن نفي العوج عن غالبه ، لأن الحكم للغالب.
قوله : (لِيُنْذِرَ) متعلق بأنزل ، وهو ينصب مفعولين ، قدر المفسر الأول بقوله : (الكافرين) والثاني هو قوله : (بَأْساً) ، وقوله : (وَيُنْذِرَ) معطوف على قوله : (لِيُنْذِرَ) الأول ؛ وحذف مفعوله الثاني لدلالة ما هنا عليه ، وذكر مفعوله الأول ، ففي الكلام احتباك ، حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
