أقدامكم عن محجة الإسلام (بَعْدَ ثُبُوتِها) استقامتها عليها (وَتَذُوقُوا السُّوءَ) أي العذاب (بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي بصدكم عن الوفاء بالعهد أو بصدكم غيركم عنه لأنه يستن بكم (وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (٩٤) في الآخرة (وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً) من الدنيا بأن تنقضوه لأجله (إِنَّما عِنْدَ اللهِ) من الثواب (هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) مما في الدنيا (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٩٥) ذلك فلا تنقضوا (ما عِنْدَكُمْ) من الدنيا (يَنْفَدُ) يفنى (وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ) دائم (وَلَنَجْزِيَنَ) بالياء والنون (الَّذِينَ صَبَرُوا) على الوفاء بالعهود (أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٩٦) أحسن بمعنى
____________________________________
وحيلة ، تأكيدا للإشارة إلى أن هذا أمر فظيع جدا ، فإن نقض العهد ، فيه فساد الدين والدنيا والعرض ، والوفاء به ، خير الدنيا والآخرة.
قوله : (فَتَزِلَّ قَدَمٌ) منصوب بإضمار أن في جواب النهي ، وأفرد القدم ونكره ، إشارة إلى أن زلة القدم ولو مرة واحدة ، أو أي قدم مضرة ، لأن من زل به القدم ، فقد طرد عن باب الله. قوله : (عن محجة الإسلام) أي طريقه ، ومثل من زل القدم في عهد شيخه فنقضه ، فإنه مطرود عن طريقته ، ومتى طرد عن طريقته ، فقد سلب ما وهبه الله له من النور الإلهي ، فلا يرجى له الفتح في طريقة أخرى ، لأن غاية الطرق واحدة ، وهو قد طرد عن الغاية. قوله : (العذاب) أي في الدنيا بدليل قوله : (وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (في الآخرة). قوله : (عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي دينه الموصل لمرضاته. قوله : (أي بصدكم عن الوفاء) هو من صد اللازم ، أي امتناعكم وإعراضكم عن الوفاء. قوله : (أو بصدكم غيركم عنه) هو من صد المتعدي ، أي منعكم غيركم. قوله : (لأنه) أي ذلك الغير. قوله : (يستن) أي يقتدي بكم في نقض العهود.
قوله : (وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً) أي لا تتركوا عهد الله ، في نظير عرض قليل تأخذونه قوله : (بأن تنقضوه) أي العهد ، وقوله : (لأجله) أي الثمن القليل ، وظاهره ولو من حلال ، وإذا كان نقض العهد ، لأجل القليل من الحلال مذموما ، فالحرام أولى بالذم ، والمراد بالثمن القليل ، أعراض الدنيا وإن كثرت. قوله : (إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) علة لما قبله ، وإن حرف توكيد ونصب ، وما اسم موصول اسمها ، و (عِنْدَ اللهِ) صلته ، وجملة (هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) خبرها ، وقوله : (من الثواب) بيان لما. قوله : (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) شرط حذف جوابه. وقدره المفسر بقوله فلا تنقضوا.
قوله : (ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ) مبتدأ وخبر ، والنفاذ بالفتح الفناء والذهاب ، يقال نفذ بالكسر ينفد بالفتح ، فني وفرغ ، وأما نفذ بالفتح والمعجمة ينفذ بالضم ، فمعناه مضى ، يقال : نفذ حكم الأمير بمعنى مضى. قوله : (باقٍ) يصح الوقف عليه ، بثبوت الياء وحذفها مع سكون القاف ، قراءتان سبعيتان. قوله : (دائم) أي لا يفرغ ولا يفنى. قوله : (بالياء والنون) أي فهما قراءتان سبعيتان قوله : (على الوفاء بالعهود) أي والمراد مشاق التكاليف. قوله : (أَجْرَهُمْ) مفعول ثان ليجزي ، قوله : (بِأَحْسَنِ) الباء بمعنى على. قوله : (أحسن بمعنى حسن) أشار بذلك إلى أن أفعل التفضيل ليس على بابه ، ودفع بذلك ما يتوهم من قصر المجازاة على الأحسن الذي هو الواجبات ، مع أنهم يجازون على الواجبات والمندوبات. وهناك تقرير آخر في الآية ، وهو أن الأحسن صفة لموصوف محذوف ، أي بثواب أحسن من عملهم ، أي أكثر منه تفضلا وإحسانا ، قال تعالى : (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) والباء لمجرد التعدية.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
