السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ) السفن (لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ) بالركوب والحمل (بِأَمْرِهِ) بإذنه (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ) (٣٢) (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ) جاريين في فلكهما لا يفتران (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ) لتسكنوا فيه (وَالنَّهارَ) (٣٣) لتبتغوا فيه من فضله (وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ) على حسب مصالحكم (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ) بمعنى إنعامه (لا تُحْصُوها) لا تطيقوا عدها (إِنَّ الْإِنْسانَ) الكافر (لَظَلُومٌ
____________________________________
مشتملة على عشرة أدلة. قوله : (مِنَ السَّماءِ ماءً) أي فماء المطر من السماء ، كما ذكره أهل السنة. قوله : (مِنَ الثَّمَراتِ) المراد بها ما يشمل المطعوم والملبوس. قوله : (رِزْقاً لَكُمْ) حال من الثمرات. قوله : (السفن) أي الكبار والصغار ، وقوله : (بالركوب) أي على ظهرها ، وقوله : (والحمل) أي حمل الأثقال من محل إلى آخر.
قوله : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ) جمع نهر ، أي ذللها لكم في جميع الأرض على ما تشتهي أنفسكم. قوله : (دائِبَيْنِ) الدأب العادة المستمرة دائما على حال واحدة ، والمعنى أن الله سخر الشمس والقمر يجريان من يوم خلقهما الله ، لا يخلقان ولا يفتران عن سيرهما إلى آخر الدهر ، فالشمس نعمة النهار ، والقمر نعمة الليل ، وهما منافع للعالم ، بهما يهتدون ، ويعرفون السنين والحساب ، وتطيب ثمارهم وزروعاتهم ، فهما سبب عادي لنفع العالم ، يوجد النفع عندهما لا بهما. قوله : (لا يفتران) أي لا يضعفان ولا ينكسران. قوله : (في فلكهما) أي محلهما ومقرهما ، وهو السماء الرابعة للشمس ، وسماء الدنيا للقمر. قوله : (لتسكنوا فيه) أي تطمئنوا فيه من تعب النهار. قوله : (لتبتغوا من فضله) أي تسعوا في معايشكم ومعادكم ، قال تعالى : (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ).
قوله : (وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ) عطف عام على خاص ، و (مِنْ) قيل صلة على مذهب الأخفش ، من زيادتها في الأثبات ، أي آتاكم كل ما سألتموه ، وقيل تبعيضية ، أي آتاكم بعض كل ما سألتموه ، أي احتجتم إليه ، ولو لم يحصل سؤال بالفعل ، فالمراد شأنكم تسألون عنه لاحتياجكم إليه ، فإن الله أعطانا النعم من غير سؤال منا ، والمعنى أعطى الله كل فرد ، فرد ، بعض ، كل ما يحتاج إليه العالم ، فأصول النعم اشترك فيها جميع العالم ، عقلاء وغيرهم ، مسلمين وكفارا ، وما يحتمل أنها موصولة وهو الأتم ، والتقدير بعض كل ما سألتموه ، أو مصدرية ، والتقدير بعض كل مسؤولكم. قوله : (على حسب مصالحكم) جواب عما يقال : إن الإنسان لم يعط بعض كل ما سأل ، فإنه قد يسأل السلطنة مثلا ولا يعطاها ، فأجاب : بأن هذه العطية ليست على حسب ما يصلح للعبد ، بل على حسب مراد الله تعالى ، فعطاياه سبحانه وتعالى ، على حسب مراده في خلقه ، فمنهم من جعل رزقه واسعا ، ومنهم من جعل رزقه ضيقا ، وهكذا.
قوله : (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ) أي أفرادها فإنها غير متناهية. قوله : (بمعنى إنعامه) أشار بذلك إلى أن المراد بالنعمة الأنعام ، وهو صفة فعل ، ودفع بذلك ما يقال ، كيف يقول الله (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها) ، مع أن كل نعمة دخلت الوجود متناهية ويمكن عدها؟ فأجاب : بأن المراد بالنعمة الإنعام ، بمعنى تجددها شيئا فشيئا ، قوله : (الكافر) المراد به أبو جهل ، لأنها نزلت فيه ، والعبرة بعموم
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
