أَشْرَكْتُمُونِ) بإشراككم إياي مع الله (مِنْ قَبْلُ) في الدنيا قال تعالى : (إِنَّ الظَّالِمِينَ) الكافرين (لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٢٢) مؤلم (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ) حال مقدرة (فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها) من الله ومن الملائكة وفيما بينهم (سَلامٌ) (٢٣) (أَلَمْ تَرَ) تنظر (كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) ويبدل منه (كَلِمَةً طَيِّبَةً) أي لا إله إلا الله (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) هي النخلة (أَصْلُها ثابِتٌ) في الأرض (وَفَرْعُها) غصنها (فِي السَّماءِ) (٢٤) (تُؤْتِي) تعطي (أُكُلَها) ثمرها (كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها) بإرادته كذلك كلمة الإيمان ثابتة في قلب المؤمن وعمله يصعد إلى السماء ويناله بركته وثوابه في كل وقت (وَيَضْرِبُ) يبين (اللهُ الْأَمْثالَ
____________________________________
للتخفيف ، والنون للإضافة ، فاجتمع مثلان ، أدغم أحدهما في الآخر ، فحركت ياء الإضافة بالفتح طلبا للخفة على إحدى القراءتين ، وكسرت على أصل التخلص من التقاء الساكنين على الأخرى.
قوله : (إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ) أي تبرأت وأنكرت إشراككم إياي مع الله ، حيث اطعتموني في وسوستي لكم بالشرك ، فكأنهم أشركوه مع الله. قوله : (قال تعالى) أشار بذلك إلى أنه ليس من كلام إبليس ، وقيل من كلامه. قوله : (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا) لما ذكر أحوال الأشقياء ، شرع في ذكر أحوال السعداء. قوله : (حال مقدرة) أي مقدرين الخلود فيها وتقدير الخلود عند الدخول من تمام النعيم. قوله : (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) متعلق بأدخل. قوله : (من الله) قال تعالى : (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ). قوله : (ومن الملائكة) قال تعالى : (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ).
قوله : (أَلَمْ تَرَ) الخطاب إما للنبي ، أو لكل من يتأتى منه الخطاب. قوله : (مَثَلاً) المثل تشبيه مجهول بمعلوم ليقاس عليه. قوله : (أي لا إله إلا الله) خصها بالذكر لأنها مفتاح الجنة ، ولم يقبل من أحد الإيمان إلا بها ، وقيل كل كلمة حسنة ، كالتسبيح والتحميد والاستغفار وغير ذلك. قوله : (أَصْلُها ثابِتٌ) أي عروقها ثابتة في الأرض ماكثة فيها ، حتى أنها لا تحتاج لسقي ، بل تشرب من عروقها. قوله : (وَفَرْعُها فِي السَّماءِ) أي لجهة العلو.
قوله : (كُلَّ حِينٍ) اختلف في مقداره ، فقيل الحين كل سنة ، لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة ، وقيل ستة أشهر ، لأنه من وقت طلعها إلى طيبها كذلك ، وقيل ثمانية أشهر ، لأن حملها ظاهرا وباطنا كذلك ، وقيل أربعة أشهر ، لأنه من حين ظهورها إلى إدراكها كذلك ، وقيل شهران ، لأنه من وقت أكلها إلى قطع ثمرها كذلك ، وقيل كل وقت ، لأن ثمر النخل يؤكل دائما ، فيؤكل منها الطلع والبلح والبسر الرطب والتمر ، وهو الأولى. قوله : (وعمله يصعد إلى السماء) قال تعالى : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) ووجه الشبه بين الإيمان والشجرة ، أن الشجرة لها عرق راسخ وفرع عال وثمر يؤكل ، والإيمان تصديق بالقلب ، وقول باللسان ، وعمل بالأبدان ، فإذا أكثر الإنسان من ذكر هذه الكلمة ، ظهرت عليه أنوارها ، ولمعت في فؤاده أسرارها ، فدام نفعه بها في العاجل والآجل ، ومن هنا اختص الصوفية بها ، بمعنى أنهم تلقوه عن أشياخهم بالسند المتصل وتعلقوا بها ، فصارت شعارهم ودثارهم ، ولذا قال السنوسي : فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها مستحضرا ، لما احتوت عليه من المعاني ، حتى تمتزج مع معناها بلحمه ودمه ، فإنه يرى لها من الأسرار والعجائب ، ما لا يدخل تحت حصر.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
