عن العبد بارادته المؤثرة ، واستحقاقه بذلك العقاب لا يلزم أن يكون العبد غالبا عليه تعالى ولا يلزم عجزه تعالى ، كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب ، ولا عجز الطبيب اذا خالفه المريض وهلك ، ولا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشية الله تعالى وارادته ، ولا يلزم الظلم في عقابه لأنه فعل القبيح بارادته المؤثرة ، وطبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحق فاعله العقاب.
ولما كان مع ذلك الاعلام من الامر والنهي بوساطة الحجج عليهمالسلام اللطف والتوفاق في الخيرات والطاعات من الله جل ذكره فما فعل الانسان من حسنة فالاولى أن يسند وينسب إليه تعالى. لأنه مع إقداره وتمكينه له وتوفيقه للحسنات ، أعلمه بمصالح الاتيان بالحسنات ومضار تركها ، والكف عنها بأوامره ، وما فعله من سيئة فمن نفسه ، لأنه مع ذلك أعلمه بمفاسد الاتيان بالسيئات ، ومنافع الكف عنها بنواهيه ، وهذا من قبيل اطاعة الطبيب ومخالفتاه ، فانه من اطاعه وبرىء من المرض يقال :
عالجه الطبيب ، ومن خالف وهلك يقال : أهلك نفسه بمخالفتاه للطبيب.
فمعنى قوله : «أمر الله ولم يشأ» أنه أعلم العباد وأخبرهم بالأعمال النافعة لهم كالايمان والطاعة ولم يشأ صدور خصوص تلك الافعال عنهم ، كيف ولو شاء ولم يصدر عن بعضهم لزم عجزه ومغلوبيته ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا بل إنما شاء صدور الأفعال عنهم بقدرتهم واختيارهم اي فعل ارادوه ، فما شاء الله كان ، ومعنى قوله : «شاء ولم يأمر» أنه شاء صدور الافعال عن العباد باختيارهم اي فعل ارادوه ، ولم يأمر بكل ما ارادوا ، بل نهاهم عن بعضه وأعلمهم بمضرته كالكفر والعصيان. فقوله : «أمر ابليس أن يسجد لآدم» إى أعلمه بان سجدته لآدم نافع له ، وكفه عنه ضار له ، وشاء أن
