فقال : يا فتح إنّما قلت : اللطيف للخلق اللطيف ، ولعلمه بالشيء اللّطيف ، ألا ترى إلى أثر صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف ، وفي الخلق اللطيف من أجسام الحيوان من الجرجس ، والبعوض ، وما هو أصغر منهما ، ممّا لا يكاد تستبينه العيون ، بل لا يكاد يستبان لصغره ، الذكر من الانثى ، والمولود من القديم ، فلمّا رأينا صغر ذلك في لطفه واهتدائه للسفاد ، والهرب من الموت ، والجمع لما يصلحه بما في لجج البحار ، وما في لحاء الاشجار ، والمفارز ، والقفار ، وإفهام بعضها عن بعض منطقها ، وما تفهم به اولادها عنها ، ونقلها الغذاء إليها ، ثمّ تأليف ألوانها حمرة مع صفرة ، وبياض مع حمرة ، علمنا أن خالق هذا الخلق لطيف ، وانّ كلّ صانع شيء فمن شيء صنع ، والله الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا من شيء.
قلت : جعلت فداك وغير الخالق الجليل خالق؟ قال : إنّ الله تبارك وتعالى يقول : (فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ). (١) فقد أخبر أنّ في عباده خالقين ، منهم عيسى بن مريم ، خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فنفخ فيه فصار طائرا بإذن الله ، والسامريّ خلق لهم عجلا جسدا له خوار ، قلت : إنّ عيسى خلق من الطين طيرا دليلا على نبوّته ، والسامريّ خلق عجلا جسدا لنقض نبوّة موسى عليهالسلام وشاء الله أن يكون ذلك كذلك؟ إنّ هذا لهو العجب.
فقال : ويحك يا فتح إنّ لله إرادتين ومشيّتن : إرادة حتم ، وإرادة عزم ، ينهى وهو يشاء ، ويأمر وهو لا يشاء ، أو ما رأيت أنّه نهى آدم
__________________
(١) المؤمنون : ١٤.
