والصراط المستقيم ، هو صراطان : صراط في الدنيا ، وصراط في الآخرة ، فأمّا الصراط المستقيم في الدّنيا فهو ما قصر عن الغلو ، وارتفع عن التقصير وإستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل ، والطريق الآخر طريق المؤمنين إلى الجنة الّذي هو مستقيم ، لا يعدلون عن الجنة إلى النار ، ولا إلى غير النار سوى الجنّة.
وقال جعفر بن محمّد الصادق عليهالسلام : قوله عزوجل (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) نقول : أرشدنا للصراط المستقيم ، أي للزوم الطريق المؤدّي إلى محبّتك ، والمبلغ إلى جنّتك ، والمانع من أن نتّبع أهواءنا فنعطب ونأخذ بآرائنا فنهلك.
ثمّ قال : فأنّ من إتّبع هواه ، وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامّة تعظّمه وتصفه ، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني ، لأنظر مقداره ومحلّه ، فرأيته في موضع قد أحدق به خلق من غثاء العامّة فوقفت مستترا عنهم ، متغشيا بلثام شقيقه انظر إليه وإليهم فما زال يراوغهم حتّى خالف طريقهم ففارقهم ولم يعده ، فتفرقت العامّة لحوائجهم ، وإتّبعته اقتفي أثره فلم يلبث أن مرّ بخبّاز فتغفّله فأخذ من دكّانه رغيفين مسارقة ، فتعجبت منه ، ثمّ قلت في نفسي : لعلّه معامله ، ثمّ مرّ بعده بصاحب رّمان ، فما زال به حتى تغّفله ، فأخذ من عنده حاجته إلى المسارقة ، ثمّ لم أزل أتبعه حتى مرّ بمريض فوضع إليه الرغيفين والرمانين بين يديه ومضى وتبعته ، حتى إستّقر في تبعة من صحراء ، فقلت له : يا عبد الله لقد سمعت بك خيرا ، وأحببت لقاءك فلقيتك ، لكنّي رأيت منك ما شغل قلبي ، وإنّي سائلك عنه ليزول به شغل قلبي ، قال :
