قد دعت إلى الايمان فلو كان الله تعالى شاء الشرك بارادة حتم لكانت الرسل قد دعت خلاف ما شاء الله فعلمنا أنّ الكفر غير مراد بارادة حتم كما أنّ الايمان كذلك ، ولو شاء الله ما أشركوا.
ارادة حتم وارادة اختيار
انّ جميع الافعال وكلّ المتقابلات من الهداية والضلالة والايمان والكفر والخير والشرّ والنفع والضرر والسوء والرحمة كلّها منتهية إلى علم المولى سبحانه وتعالى ومشيّته وإرادته إمّا بالذات أو بالتبع ، كتعلق إرادته ومشيّته إلى أفعاله تعالى ، لكن يفرق بينهما بانّ المشيّة والارادة إن تعلّقت بالطاعات وما يحبّه المولى سبحانه فانما هي بالذات ومعناها قد أسلفنا ذكره ، واما المتعلقة بالمعاصي والكفر والضرر والسوء وما لا يحبّه فانها تقع مرادة بالعرض والتبع ، وهذه الارادة والمشيّة تسمى بارادة اختيار ، ولا تنافي بين تعلّق الارادة والمشيّة بشيء وبين أن لا يحبّه لانّ تعلق المشية والارادة بما لا يحبّه بتعلقهما بوقوع ما يتعلق به ارادة العباد بارادتهم وترتّبه عليها ، فتعلّقهما بالذات بكونهم قادرين مريدين لأفعالهم وترتّبها على إرادتهم ، وتعلّقها بما هو مرادهم بالتبع ، ولا حجر في كون متعلّقهما بالتبع شرّا غير محبوب له ، فانّ دخول الشرّ وما لا يحبّه في متعلق إرادته بالعرض جائز ، فانّ كلّ من تعلق مشيّته وارادته بخير وعلم لزوم شر له شرّية لا تقاوم خيريته فقد تعلقتا بذلك الشر بالعرض والتبع ، وذلك التعلق بالتبع لا ينافي أن يكون المريد خيّرا محضا غير متّصف بكونه شرّيرا ومحبّا للشر.
وهذا التقسيم والبيان إنما يستفاد من حديث صالح النيلي المروي
