(٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦))
(وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً) تستظلون بها من شدة الحرّ وهي ظلال الأبنية والأشجار ، (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً) ، يعني : الأسراب والغيران واحدها كن (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ) قمصا من الكتان والقز والقطن والصوف ، (تَقِيكُمُ) ، تمنعكم ، (الْحَرَّ) ، قال أهل المعاني : أراد الحر والبرد واكتفى (١) بذكر أحدهما لدلالة الكلام عليه. (وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) ، يعني : الدروع ، والبأس : الحرب ، يعني : تقيكم في بأسكم السلاح أن يصيبكم ، (كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) ، تخلصون له الطاعة ، قال عطاء الخراساني : إنما نزل (٢) القرآن على قدر معرفتهم ، فقال : وجعل لكم من الجبال أكنانا وما جعل لهم من السهول أكثر وأعظم ، ولكنهم كانوا أصحاب جبال كما قال : (وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها) [النحل : ٨٠] لأنهم كانوا أصحاب وبر وشعر ، وكما قال : (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) [النور : ٤٣] وما أنزل من الثلج أكثر ، ولكنهم كانوا لا يعرفون الثلج. وقال : (تَقِيكُمُ الْحَرَّ) وما تقي من البرد أكثر ولكنهم كانوا أصحاب حر.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) ، فإن أعرضوا فلا يلحق في ذلك عتب ولا سمة تقصير ، (فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ) ، قال السدي يعني : محمدا صلىاللهعليهوسلم ، (ثُمَّ يُنْكِرُونَها) ، يكذبون به. وقال قوم : هي الإسلام.
وقال مجاهد وقتادة : يعني ما عدّ لهم من النعم في هذه السورة يقرون أنها من الله ، ثم [إذا](٣) قيل لهم تصدقوا وامتثلوا أمر (٤) الله فيها ينكرونها فيقولون ورثناها (٥) من آبائنا. وقال الكلبي : هو أنه لما ذكر لهم هذه النعم قالوا : نعم هذه كلها من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا. وقال عوف بن عبد الله : هو قول الرجل لو لا فلان لكان كذا وكذا ولو لا فلان لما كان كذا ، (وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ) ، الجاحدون.
قوله عزوجل : (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً) ، يعني رسولا (٦) (ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) [أي](٧) ، في الاعتذار.
وقيل : في الكلام أصلا ، (وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) ، يسترضون ، يعني : لا يكلفون أن يرضوا ربهم لأن الآخرة ليست بدار تكليف ولا يرجعون إلى الدنيا فيتوبون ، وحقيقة المعنى في الاستعتاب أنه التعرض
__________________
(١) في المطبوع «اكتفاء».
(٢) في المطبوع «أنزل».
(٣) زيادة عن المخطوط.
(٤) في المطبوع «لأمر».
(٥) تصحف في المطبوع «روثتها».
(٦) في المخطوط «رسولها».
(٧) زيادة عن المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ٣ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4192_tafsir-albaghawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
