(تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) ، يضاعف لهم الثواب فيعطون بالحسنة عشر أمثالها ، فالمضعف ذو الأضعاف من الحسنات ، تقول العرب : القوم مهزولون ومسمّنون إذا هزلت أو سمت إبلهم.
(اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢))
(اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
قوله عزوجل : (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ، يعني قحط المطر وقلة النبات وأراد بالبر البوادي والمفاوز وبالبحر المدائن والقرى التي هي على المياه الجارية. قال عكرمة : العرب تسمي المصر بحرا تقول (١) أجدب البر وانقطعت مادة البحر ، (بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) ، أي بشؤم ذنوبهم ، وقال عطية وغيره : البر ظهر الأرض الأمصار وغيرها والبحر هو البحر المعروف وقلة المطر كما تؤثر في البر تؤثر في البحر فتخلو أجواف الأصداف [لأن الصدف](٢) إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه البحر ويفتح فاه فما يقع في فيه من المطر صار لؤلؤا ، وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد : الفساد في البر قتل أحد بني آدم أخاه ، وفي البحر غصب الملك الجائر السفينة ، وقال الضحاك : كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة وكان ماء البحر عذبا وكان يقصد الأسد البقر والغنم ، فلما قتل قابيل هابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحا زعافا وقصد الحيوان بعضها بعضا.
قال قتادة : هذا قبل مبعث النبي صلىاللهعليهوسلم امتلأت الأرض ظلما وضلالة ، فلما بعث الله محمدا صلىاللهعليهوسلم رجع راجعون من الناس بما كسبت أيدي الناس من المعاصي ، يعني كفار مكة ، (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) ، أي عقوبة بعض الذي عملوا من الذنوب ، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ، عن الكفر وأعمالهم الخبيثة.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ) ، لتروا منازلهم ومساكنهم خاوية ، (كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) ، فأهلكوا بكفرهم.
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨))
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) ، المستقيم وهو دين الإسلام (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ) ، يعني يوم القيامة لا يقدر أحد على رده من الله ، (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) ، أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير.
__________________
(١) في المطبوع «يقال».
(٢) زيادة عن المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ٣ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4192_tafsir-albaghawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
