يقف بعيدا عنه ، إجلالا للمشرّع ، أو حين يقترب منه بجاذبية الحبّ ، وبدافع العرفان.
فمتى ما تركنا هذه الذروة ، هبطنا على الفور إلى مستوى الغايات الذاتية ، أعني : «المنفعة». وليس هنالك وسيلة أمام إرادة ملتزمة حقا ـ للخروج من هذه المعضلة : فإمّا أن تكون في خدمة الشّرع ، أو الخير في ذاته ، وإمّا أن تمضي للبحث عن الخير الشّخصي. فهل لنا أن نقول : إنّ هذين النّوعين من الخير يمكن أن يتطابقا تطابقا كاملا ، بل يمكن أن يصلا إلى حدّ الإمتزاج؟.
لا مانع عندي من الموافقة على أنّ الخير العام قد يكون في نفس الوقت خيرنا الخاص ؛ ولكن قد يتساءل المرء ، من وجهة نظر الذات الفاعلة : إذا ما كان بوسع الذات ، بحركة واحدة لا غير ، أن تفيض خارجها فتهتم بالشرع ، ثمّ تستدير إلى نفسها ، مدفوعة بالأنانية؟.
وحتّى لو افترضنا أنّ هذا الأمر ممكن فإنّ هذا الهدف المزدوج يرجع ـ على كلّ حال ـ إلى نوعين من (الدّوافع) ، ينبغي أن ندرسهما الآن ، كلا على حدة (١).
والمسألة الآن هي أن نعرف قيمة هذه الدّوافع الذاتية. هل يجب أن نؤثّم كلّ اهتمام بالخير الشّخصي ، حتّى لو كان من أكثر أنواع الخير مشروعية ، بإعتباره متنافرا مع شرط العباد المخلصين ، وبإعتبارنا مكلفين بأن نكرس كلّ عمل من أعمالنا لله؟.
هذا هو الرّأي الّذي أيده أكثر الأخلاقيين المسلمين حماسا ، وغيرة ، حتّى إنّ
__________________
(١) أخرنا اختلاط الدّوافع إلى الفقرة الخامسة ، والأخيرة.
