وليضعوا حدّا للمحن القاسية الّتي يتحملها هؤلاء ، وضروب الإغراء الّتي يعرضها الكفار عليهم كيما يفتنوهم عن الدّين : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (١).
ومع ذلك ، فما هو هذا الجهاد في سبيل الله ..؟ ... إنّ النّبي صلىاللهعليهوسلم يحدده لنا في هذه الكلمات : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٢).
فأي هذين الموقفين أسمى أخلاقيا؟ ..
في رأينا أنّ الإجابة الّتي تقدم عن هذا السّؤال ينبغي أن تختلف ، تبعا للأولوية الّتي تعطى للإيمان ، أو للعقل.
والحقّ أنّه لن تكون مقبولا لدى أهل العقل أن نضع في أعلى درجات السّلّم ثقة معصوبة العينين ، ثمّ نخفض إلى المرتبة الثّانية ـ الضّمير المستنير الذكي. فالإنسان الّذي يطيع أمرا ، دون أن يحاول فهم أسبابه ، خاضع للصفة الآمرة في الحكم ـ فحسب ، على حين أنّ من يطيعه مدركا أنّه عدل ، ومعقول ، يشعر تجاه الشّرع بالمزيد من الإعجاب ، والإحترام. وكذلك النّيّة الّتي تستهدف إدراك المعنى العميق للحكم ، فإلى جانب أنّها لا تنقص من جمال الإيمان ، مهما بلغ ، تزيده بما يدعمه ، ويحصنه ، فلا يتزلزل أمام عوادي الزّمن.
أمّا أهل الإيمان ـ فيرى أنّ الإيمان الّذي يحتبس في حدود الذكاء إيمان مقيد مبتور ، إن لم نقل : إنّه غير موجود ، وهو يشهد ، في الواقع ، بأنّ ثقتنا في موضوع
__________________
(١) البقرة : ١٩٣.
(٢) انظر ، صحيح مسلم : ٣ / ١٥١٢ ح ١٩٠٣ ، صحيح البخاري : ٣ / ١٠٣٤ ح ٢٦٥٤ ، المستدرك على الصّحيحين : ٢ / ١١٩ ح ٢٥٢٠ ، سنن أبي داود : ٣ / ١٤ ح ٢٥١٦ ، السّنن الكبرى : ٣ / ١٦ ح ٤٣٤٣.
