تتلمس ، أجر جهدها ، ولكنها الّتي تقدم نفسها ، وتستفرغ جهدها ، وتستنفد كلّ ما في طاقتها ، دون حساب ، إنّها هي الّتي «تنسى ذاتها في سبيل مثلها الأعلى».
ولقد وجدنا أنّ هذا المثل الأعلى يتقدم إلينا في شكلين مختلفين ، كلاهما يعرضه علينا القرآن. ففي الشّكل الأوّل تقف النّيّة عند صورة الواجب المجردة ، وتحركها فكرة وحيدة ، هي أنّه يجب أن ينفذ الأمر ، من حيث هو أمر علوي : أطع الله لأنّه حقيق أن يطاع ، بهدف أن تمتثل لأمره ، وأن تنال رضاه ، دون أن تحاول أن تفهم : لما ذا أعطى هذا الأمر ، وبغض النّظر عن الأسباب الصّالحة لتسويغه. فذلكم هو الشّكل الأوّل للإخلاص.
بيد أنّ هناك شكلا آخر أقل تجريدا لهذا المثل الأعلى ، الّذي ينبغي أن تخلص له ، فبدلا من أن نتوقف عند الشّكل ، ننفذ إلى المعنى العميق للأمر ، ونحاول أن نوفق هدفنا الخاص مع هدف الشّارع. فنحن نهتم بإرساء قواعد النّظام ، والعدالة ، والحقّ ، ونستهدف في كلمة واحدة تحقيق الخير الّذي نعرف أنّه مقصود الشّرع ، أو نحدس بأنّه كذلك مسبقا.
وكما رأينا فإنّ القرآن الكريم يقدم غالبا ، في الصّورة الأولى ، هدف الإرادة الطّيبة ، ولكن على الرّغم من كونها قليلة العدد فإنّ النّصوص الّتي تجعل من الخير في ذاته مثلا أعلى للنّيّة ـ قد جاءت صريحة ، وهكذا يحض القرآن المؤمنين على جهاد أعدائهم ، لا طاعة لله فحسب ، ولكن لينقذوا المستضعفين : (وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) (١) ،
__________________
(١) النّساء : ٧٥.
