الأثير.
وليس يعوزنا أن نقدم في الجانب المضاد أمثلة أخرى من بين صحابة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فنظير حالة أبي هريرة ، يمكن أن نضع حالة رجل من أغنياء الصّحابة كابن عوف.
والحقّ أنّ الزّهادة يمكن أن ينظر إليها على أنّها كانت استثناء في العالم الإسلامي ، ولم تكن القاعدة العامّة. فإذا اعتبرناها من وجهة نظر مجردة فلسوف نعترف بأنّ تعميمها من أضر الأمور بحسن سير الحياة الإنسانية ، لا من الوجهة المادية فحسب ، بل من الوجهة الأخلاقية أيضا.
والواقع أنّه يجب أن يوجد في المجتمع أناس يكسبون فائضا ، ليجد آخرون قوتهم الضّروري ، ويجب أن يكون لكلّ إنسان حدّ أدنى من الفائض ، لا لكي ينتج بصورة أفضل ، ومستمرة فحسب ، بل لكي يضمن لنفسه أيضا ما هو ضروري ، بما أنّه ليس بين المفهومين خط فاصل ، يفرق بينهما تفرقة واضحة في الواقع الملموس.
بل إنّ من الممكن أيضا أن يقال : إنّ هؤلاء الّذين يبقون عمدا على هامش النّشاط الإجتماعي يختارون ، طبقا لإعتبار معين ، أقل المهمات الأخلاقية مشقة ، متحاشين بذلك كثيرا من الصّدمات ، وصنوف البلبلة ، والإغراء. ولا ريب أنّ عليهم أوّلا أن يبذلوا بعض الجهد حتّى يحملوا انفسهم على ارتضاء هذا الإنزواء ، ولكن متى ما تمت الخطوة الأولى ، فإنّ كلّ شيء سيسير تلقائيا.
ومما لا شك فيه أنّ قوة ملكاتنا العليا لا تمتحن إلّا في تشابك الإهتمامات ، وتعقدها. وتمكين الفضل في معرفة كيف نتوقى الإحتراق ، ونحن وسط النّار؟
