(وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى) (١).
وإنّ القرآن ليمضي في هذا الإتجاه إلى حدّ القول بأنّ الّذي يأخذ الصّدقة ليس هو الفقير ، ولكنه الله سبحانه : (هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (٢) ، وللنبي صلىاللهعليهوسلم في هذا المقام تعبير رائع ، حيث قال : «من تصدّق بصدقة من كسب طيب ، ولا يقبل الله إلّا طيبا ، كان إنّما يضعها في كف الرّحمن ، يربيها كما يربي أحدكم فلوّه ، أو فصيله ، حتّى تكون مثل الجبل» (٣).
فمن مجموع هذه النّصوص يستنتج تحديد كامل للنّيّة الحسنة ، طبقا لمفهوم القرآن ، فهي حركة تعدل بها الإرادة الطّائعة عن كلّ شيء ، طوعا أو كرها ، ظاهرا ، أو باطنا ، كيما تتوجه نحو الجانب الّذي تتلقى منه الأمر. إنّها انفصال عن النّاس ، وعن أنفسنا ، واتصال بالمثل الأعلى ، والأزكى ، والأكمل : الله جلّ وعلا.
والقرآن لا يقتصر على النّصوص المحددة ، الّتي غالبا ما تأتي في ألفاظ مستوعبة ، لتقدم لنا المثل الأعلى على أنّه الموضوع الوحيد الّذي يجب أن يضعه الإنسان نصب عينيه ، وهو يعمل : (وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ) (٤) ، (وَمَنْ
__________________
(١) اللّيل : ١٧ ـ ٢٠.
(٢) التّوبة : ١٠٤.
(٣) انظر ، موطأ الإمام مالك : ٢ / ٩٩٥ ح ١٨٠٦ ، وسائل الشّيعة : ٦ / ٢٦٥ ح ٥ ، صحيح مسلم : ٢ / ٧٠٢ ح ١٠١٤ ، المسند المستخرج على صحيح مسلم : ٣ / ٩٠ ح ٢٢٦٧ ، أمالي الطّوسي : ٤٥٨ ، الجواهر السّنية للحر العاملي : ٣٥٥ ، سنن التّرمذي : ٣ / ٤٩ ح ٦٦١ ، بحار الأنوار : ٧١ / ٤١٠ ح ١٦ ، سنن الدّارمي : ١ / ٤٨٥ ح ١٦٧٥ ، السّنن الكبرى : ٢ / ٣١ ح ٢٣٠٤ ، مسند أحمد : ٢ / ٤١٨ ح ٩٤١٣ ، الّتمهيد لابن عبد البر : ٢٣ / ١٧٢ ح ١٢٧.
(٤) البقرة : ٢٧٢.
