الجبهة على الأرض غرضا ، من حيث إنّه جمع بين الجبهة ، والأرض ، بل من حيث إنّه بحكم العادة يؤكد صفة التّواضع في القلب ، فإنّ من يجد في نفسه تواضعا ، فإذا استكان بأعضائه ، وصورها بصورة التّواضع تأكد تواضعه ، ومن وجد في قلبه رقة على يتيم فإذا مسح رأسه ، وقبله تأكدت الرّقة في قلبه». ويقول قبل ذلك الموضع : «وإذا حصل أصل الميل بالمعرفة فإنّما يقوى بالعمل بمقتضى الميل ، والمواظبة عليه ، فإنّ المواظبة على مقتضى صفات القلب ، وإرادتها بالعمل تجري مجرى الغذاء ، والقوت لتلك الصّفة ، حتّى تترشح الصّفة ، وتقوى بسببها ... وإن خالف مقتضى ميله ، ضعف ميله ، وإنكسر ، وربما زال ، وانمحق ، بل الّذي ينظر إلى وجه حسن مثلا ، فيميل إليه طبعا ميلا ضعيفا ، لو تبعه ، وعمل بمقتضاه ، فداوم على النّظر ، والمجالسة ، والمخالطة ، والمحاورة ، تأكد ميله ، حتّى يخرج أمره عن إختياره ، فلا يقدر على النّزوع عنه ، ولو فطم نفسه ابتداء ، وخالف مقتضى ميله لكان كقطع القوت ، والغذاء عن صفة الميل ، ولن يتأكد ذلك إلّا بالمواظبة على أعمال الطّاعة ، وترك المعاصي بالجوارح ، لأنّ بين الجوارح وبين القلب علاقة ، حتّى إنّه يتأثر كلّ واحد منهما بالآخر ، فالقلب هو المقصود ، والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود» (١).
فهذا تحليل سريع للمفهوم الإسلامي للعلاقة بين العنصر الباطن ، والعنصر الظّاهر ، ودور كلّ منهما في أي فعل أخلاقي تام. وقد استطعنا خلال هذا التّحليل أن نشهد نوعا من الحركة الدّائرية ، الّتي تصعد أوّلا من المركز إلى المحيط ،
__________________
(١) انظر ، إحياء علوم الدّين للغزالي : ٤ / ٣٥٦ ـ ٣٥٧ ، طبعة الحلبي.
