أنّ هذين الحكمين لا يصدران إلّا عن مبدأ أخلاقي واحد ، أعني : إمكان اقتضاء الشّكل ، والمادة معا. فإذا ما نقص أحد هذين العنصرين فإنّه يظهر فاعليته بالفراغ الّذي يتركه خلفه ، في العمل الأخلاقي ، وفي عجز العنصر الآخر المتبقي ، عن أن ينشىء وحده الفضيلة الكاملة.
والواقع أنّ الخير الأخلاقي ، في مجموعه ، لا ينحصر في حالة باطنية محضة ، ولا في حالة ظاهرية محضة ، بل هو ينحصر في الإنتقال من إحداهما إلى الأخرى ، وهو انتقال ، لكي يكون جديرا باسمه ، يجب أن يضم كلا العنصرين على سواء ، ولا حاجة لأن نؤكد عجز العنصر المادي ، ذلك أنّ العمل الظّاهري الخالص ، وهو عمل يليق بإنسان غبي كالآلة ، قد يؤدي خدمات مفيدة للمجتمع ، ولكنه سوف يظل دون علاقة بشخصيتنا. ولقد يستطيع فعلا ـ على حسب تعبير كانت ـ أن يوفر لنفسه الشّرعية ، ولكنه لن يستطيع مطلقا أن يضمن الأخلاقية.
بيد أنّ البرهنة على القضية الأخرى تبدو مهمة عسيرة ، أليس العنصر الرّوحي هو العنصر الجوهري في الواجب ، إن لم يكن هو كلّ الواجب؟ .. إنّ هذه الفكرة مسلمة عموما ، حتّى إنّه يبدو من باب التّطاول أن نشكك فيها ، أو أن نضع لها بعض القيود. ومع ذلك فإنّها تحتاج إلى بعض التّحديدات الضّرورية.
وأوّل هذه التّحديدات : أنّ فكرة «الإرادة» لا تشتمل فحسب على فكرة «القدرة» من حيث المبدأ ، أو الإفتراض (فعمل الإرادة مستحيل في حال اليأس الواقعي ، والكلّي) ؛ ولكن من حيث كون «الإرادة» و«العزم» يتميزان ، كما يتميز الحاضر من المستقبل ، فالإرادة تفترض ـ كنتيجة مباشرة ـ نشاطا خارجيا معينا ،
