وفي حديث آخر ـ أنّ درجة شدة هذا اللّوم الباطن تعكس صدق إيماننا ، وتقيس درجته قياسا دقيقا. فنحن نشعر فعلا بجسامة ذنبنا ، وخطورته على نحو متفاوت ، تبعا لدرجة شعورنا الحيّ بالتكليف ، وهو قول رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «المؤمن يرى ذنبه فوقه كالجبل يخاف أن يقع عليه ، والمنافق يرى ذنبه كذباب مرّ على أنفه فأطاره» (١).
ولكن ، إذا كان النّدم لا ينشىء جزاء ثوابيا ، ألا يمكن أن يعد بمنزلة جزاء إصلاحي؟
لا يحظى هذا الرّأي بأكثر مما حظي به سابقه ، فإنّ ما يعيد تثبيت القانون المنتهك ليس شعورا معينا ، ولكن موقف جديد للإرادة : هو «التّوبة». والنّدم ليس هو التّوبة ، بل هو تمهيد لها ، وإعداد فحسب ، فعند ما تخضع النّفس للشر ، يحدث فيها نوع من الصّدع ، وهي تجد ـ دون ريب ـ في حرارة النّدم المؤلمة وسيلتها لتلتئم ، وتقف من جديد مستجمعة ، وتحمل منذئذ أمانتها ، مع مزيد من الطّاقة ، والحماس. ومن المؤسف أننا لا نستغل دائما هذه الإمكانة المتاحة لنا. فليس من النّادر ، بل كثيرا ما يحدث ، أن تهبط هذه الهزة العابرة فجأة إلى درجة الصّفر ، وأن تخبو النّار الّتي اشتعلت في بعض اللحظات ـ بسرعة ، فتصبح دون
__________________
ـ مجمع الزّوائد : ١ / ١٧٦ ، الإيمان لابن منده : ٢ / ٩٨٤ ح ١٠٨٨ ، الزّهد لابن المبارك : ١ / ٢٨٤ ح ٨٢٥ ، التّرغيب والتّرهيب : ٢ / ٣٥٢ ح ٢٦٨٩.
(١) انظر ، سنن التّرمذي : ٤ / ٦٥٨ ح ٢٤٩٧ ، الفردوس بمأثور الخطاب : ٥ / ٣٤٢ ح ٨٣٧٧ ، صحيح البخاري : ٥ / ٢٣٢٤ ح ٥٩٤٩ ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : ٧ / ١٠٤ ح ٣٤٥٣٨ ، نوادر الأصول في أحاديث الرّسول : ١ / ٢٧٩ ، فيض القدير : ٦ / ١٥٢.
